


عدد المقالات 369
يقال إن الحكومة الناجحة هي الأقل تدخلاً في نشاط المجتمع ما دام المجتمع يسيّر شؤونه بسلاسة. عند إخضاع هذه المقولة للاختبار تثبت صحتها خاصة عندما يعيق تدخل السلطة انسياب الحراك المجتمعي. ويجعل السلطة متطوعة لحمل عبء كان يحمله غيرها بكفاءة. فيكون التدخل في هذه الحالة مزدوج الضرر. لما كان السودان تحت إدارة استعمارية على رأسها حاكم غير مسلم كان المجتمع يخرج زكاته ويدير هذه الشعيرة الركن بلا ديوان للزكاة؛ حيث يسارع الأغنياء بإخراج زكواتهم ويستفتون عالماً من بينهم لم تعينه حكومة. ويعرف المجتمع لمن يعطي الزكاة من أهل وأقارب يحفظ كرامتهم بلا منّ ولا أذى. وكانت الأوقاف إدارة شبه أهلية. فيذهب عائد الوقف للغرض الذي أوقف له بلا تدخل سلطوي يذكر. لا تحدد السلطة للناس ماذا يلبسون. ولم يكن لبس المرأة لـ (التوب) قراراً حكومياً ولم تحدد السلطة زياً لأهل الغرب ولم تختر (السديرى) لأهل الشرق ولم تعين ترزياً حكومياً يحدد لكل إقليم زيه الرسمي. ولا ينتظر عاقل أن تختار الحكومة للناس كيفية غنائهم. ثقافة المجتمع أقوى من أي سلطة. ومن تدخلات السلطة الخشنة في السودان التي تكشف عدم الحكمة قرار الرئيس الأسبق جعفر نميري بحل الأندية الرياضية. شمل القرار ناديي الهلال والمريخ، وهي أندية تملك فرق كرة القدم فيها شعبية جارفة، وتتعلق الجماهير بنجوم الفريقين المحبوبين الذين أصبحوا نجوماً بارزة في المجتمع. تفوق شعبية بعضهم شعبية ساسة مشاهير. وهي أندية تمثل بجلاء إمكانية خلق المجتمع لمؤسسات قوية بعيدة عن رعاية السلطة؛ حيث تدفع الجماهير من حر مالها ما تسير به هذه الأندية. فما الحكمة من وراء تعطيل نشاط يسير بسلاسة ويكفي السلطة مشقة الصرف والإشراف. ولكن بفهم سلطوي حل النميري الهلال والمريخ. وكان طبيعيا أن يتعطل النشاط الرياضي. فقد عجزت السلطة عن إيجاد بديل (مصنوع) لتلك المؤسسات المجتمعية الأصيلة الراسخة. وفي مثال آخر سبق للحكومة الحالية أن أصدرت قراراً يلزم العاملات في المؤسسات الحكومية بغطاء الرأس.. لكن القرار لم يصمد لشهر واحد وعادت العاملات للزي الذي اعتدن عليه. وسقط ذلك (الأمر) رغم عدم صدور أي قرار يلغي تعليمات تغطية الرأس. في المجتمع السوداني قبائل تنظم حياتها أعراف وتقاليد أقوى من أي قانون تصدره السلطة المركزية. وتحل مشاكل الرعاة بعيداً عن أقسام الشرطة. ويفصل في قضايا كبيرة من دون الحاجة إلى القضاء (الحكومي).. وفي السودان طرق صوفية يجد شيوخها من التبجيل والتوقير ما لا يجده رئيس الجمهورية. وبذلك يستطيع الشيخ أن يدير بـ (محبة) جمهوريته؛ حيث يتدافع مريدوه بحماس يدفعون أموال التكافل ومصاريف إدارة الزوايا. وهو ما لا تجده السلطة السياسية وهي تحصل الضرائب والزكوات. المجتمع لا تعلمه السلطة ماذا يلبس وكيف.. ولا تختار له أغنياته ورقصاته.. ففي المجتمع السوداني يغنون قبل أن تنشئ الدولة الإذاعة بقرون، لكن وبقرار يوحي وكأن الغناء يصدر من المذياع فقط منعت السلطة الحالية أيام تشددها الأول بث بعض الأغنيات من الإذاعة. ومنع مدير سابق للتلفزيون بث الإعلان عن الحفلات الغنائية. ولم يمتنع الناس عن الغناء ولم تعدم الأغنيات الممنوعة فبقيت في شرائط الكاسيت والفيديو. لم يفقد الفنان الكبير محمد وردي شعبيته ولم يقلع مطربو شمال السودان عن عزف آلة الطنبور ولم يوقف أهل كردفان غناءهم في احتفالات الأعراس. ولم يمسح أهل جبال النوبة رقصة (الكمبلا) من تراثهم. من الظواهر الاجتماعية الجديدة في السودان أن الحاجز القبلي الذي كان إلى وقت غير بعيد يحول دون الزواج القبلي المختلط قد ضعف كثيراً. وتعددت الزيجات بين أزواج من قبائل متباعدة. أعانت على ذلك أجواء التقارب الجديدة التي أوجدها التعارف في مؤسسات التعليم الذي انتشر، والزمالة في ميادين العمل التي تجمع الجنسين من مختلف القبائل. المثير في هذه الظاهرة أن النظام الحالي متهم من خصومه بإحياء القبلية الضيقة لمحاربة الأحزاب القوية، لكن هذه الظاهرة المجتمعية تقول إن القبلية يمكن أن تضعف هي الأخرى بحراك اجتماعي بعيداً عن مخططات السياسة. بقي أن نقول إن الحراك الاجتماعي تدفعه أحياناً مفاهيم خاطئة وتقاليد ضارة، لكن هذا الواقع لا يبرر على الإطلاق الأوامر السلطوية؛ لأن المعالجة تتم بالتوعية لا بالأوامر والتعليمات. • ai.hamad@yahoo.com
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...