


عدد المقالات 80
هَوَتْ الأفئدة من كل فجٍّ عميق إلى مهبط الوحي، ولهجت الألسنةُ بكل لغات الدنيا ثناء وحمداً وشكراً لله، وهاجت مشاعر الشعراء تتذكر أنقى العصور، وأبهى أيام الدنيا، عندما كان سيدها أعظم البشر، رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلبس ملابس الطُّهر، يحفُّ به مائة وعشرون ألفاً ممن تمتعت أعينهم برؤيته، والحج بصحبته، هنا لم يستطع الشاعر الدكتور ناصر الزهراني أن يحبس دموعه فترك لنفسه السباحة في نهر الذكريات العذب فقال: أَحِبَّتِي عَادَ بِي ذِهْنِي إِلَى زَمَنٍ ** مُعَظَّمٍ فِي سُوَيْدَا الْقَلْبِ مُسْتَطَرِ رأى من وراء حُجُب الزمان بعين ذهنه رسولَ الله عليه الصلاة والسلام كالقمر المنير، يلبس ملابس الإحرام، وألوفُ البشر تحيط به: كَأَنَّنِي بِرَسُولِ اللَّهِ مُرْتَدِيًا ** مَلابِسَ الطُّهْرِ بَيْنَ النَّاسِ كَالْقَمَرِ نُورٌ، وَعَنْ جَانِبَيْهِ مِنْ صَحَابَتِهِ ** فَيَالِقٌ، وَأُلُوفُ النَّاسِ بِالأَثَرِ سَارُوا بِرُفْقَةِ أَزْكَى مُهْجَةٍ دَرَجَتْ ** وَخَيْرِ مُشْتَمِلٍ ثَوْبًا وَمُؤْتَزِرِ ترمقه العيون، وهو يمحو آثار جاهليةٍ جهلاء، بقوله: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ..) ودموعه الشريفة تغلبه، مثل حبات اللؤلؤ تتقاطر على خديه الشريفين.. مُلَبِّيًا رَافِعًا كَفَّيْهِ فِي وَجَلٍ ** لِلَّهِ، فِي ثَوْبِ أَوَّابٍ وَمُفْتَقِرِ مُرَنِّمًا بِجَلالِ الْحَقِّ تَغْلِبُهُ ** دُمُوعُهُ مِثْلُ وَبْلِ الْعَارِضِ الْمَطِرِ وهو في وقاره يخاطب أصحابه: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ». يَمْضِي يُنَادِي: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ** لَعَلَّ هَذَا خِتَامُ الْعَهْدِ وَالْعُمُرِ وله في عرفات شأن آخر، كان يركب ناقته (القصواء) التي أحبها وأحبته: وَقَامَ فِي عَرَفَاتِ اللهِ مُمْتَطِيًا ** قَصْوَاءَهُ يَا لَهُ مِنْ مَوْقِفٍ نَضِرِ تَأَمَّلَ الْمَوْقِفَ الأَسْمَى فَمَا نَظَرَتْ ** عَيْنَاهُ إِلاَّ لأَمْوَاجٍ مِنَ الْبَشَرِ فَيَنْحَنِي شَاكِرًا للهِ مِنَّتَهُ ** وَفَضْلَهُ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ وَالظَّفَرِ يتوقف ليتلقى من وحي الله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). ثم يخطب خطبته التي رددها التاريخ بفخرٍ، فيها كل معاني الرُّقي والعدل والإحسان: يَشْدُو بِخُطْبَتِهِ الْعَصْمَاءِ زَاكِيَةً ** كَالشَّهْدِ كَالسَّلْسَبِيلِ الْعَذْبِ كَالدُّرَرِ مُجَلِّيًا رَوْعَةَ الإِسْلامِ فِي جُمَلٍ ** مِنْ رَائِعٍ مِنْ بَدِيعِ الْقَوْلِ مُخْتَصَرِ دَاعٍ إِلَى الْعَدْلِ وَالتَّقْوَى وَأَنَّ بِهَا ** تَفَاضُلَ النَّاسِ لا بِالْجِنْسِ وَالصُّوَرِ مُبَيِّنًا أَنَّ للإِنْسَانِ حُرْمَتَهُ ** مُمَرِّغًا سَيِّئَ الْعَادَاتِ بِالْمَدَرِ ويكاد الشاعر يخرج من زمنه، ويتمنى أمنية عظيمة، وهي: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ إِذْ حَضَرُوا ** مُمَتَّعَ الْقَلْبِ وَالأَسْمَاعِ وَالْبَصَرِ وَأَنْبَرِي لِرَسُولِ اللَّهِ أَلْثُمُهُ ** عَلَى جَبِينٍ نَقِيٍّ طَاهِرٍ عَطِرِ أُقَبِّلُ الْكَفَّ، كَفَّ الْجُودِ كَمْ بَذَلَتْ ** سَحَّاءَ بِالْخَيْرِ مِثْلَ السَّلْسَلِ الْهَدِرِ أَلُوذُ بِالرَّحْلِ أَمْشِي فِي مَعِيَّتِهِ ** وَأَرْتَوِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِالنَّظَرِ أُسَرُّ بِالْمَشْيِ إِنْ طَالَ الْمَسِيرُ بِنَا ** وَمَا انْقَضَى مِنْ لِقَاءِ الْمُصْطَفَى وَطَرِي بل حتى الموت يكون لذيذاً جداً إذا كان الكفنُ لباسَ إحرام رسول الله عليه السلام: أَمَّا الرِّدَاءُ الَّذِي حَجَّ الْحَبِيبُ بِهِ ** يَا لَيْتَهُ كَفَنٌ لِي فِي دُجَى الْحُفَرِ ونحن كذلك نتمنى لكن هيهات.. لقاؤنا في الآخرة.
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...