عام على استقلال جنوب السودان
14 يوليو 2012 , 12:00ص
قال أحدهم لصاحبه عصر التاسع من يوليو من العام الماضي وقد انفض الاحتفال بإعلان استقلال جنوب السودان، إن الحدث الكبير قد ألهمه لكتابة قصة يعبر بها عن رؤيته في الانفصال، ثم بدأ يقرأ بصوت عال نصاً قال عنه إنه إنتاجه الأول في الكتابة الأدبية:
هي امرأة رائعة الجمال ممشوقة القوام واسعة العينين. اختلط فيها لون الأبنوس مع الكاكاو ليصبغ إهابها الغض. ورغم ذلك كان الشجار هو سمة حياتها الزوجية. تطمس الشحناء ومضات عابرة ابتسم فيها الزوجان لصباح مشرق أو تلاقت فيها العيون أو جذبتهما الفطرة للقاء حميم.
زارهما رجل غريب يتوسط بين الزوجين. لكن (ماري) عبرت عن يأسها من أي أمل يجعل حياتهما سعيدة. وطلبت الطلاق. رمق الوسيط الزوج بنظرة كأنه يسأله رأيه. فقال الزوج إنه لن يقدم على خطوة كهذه، إذ إن الطلاق انفصال يهتز له عرش الرحمن ولن يتحمل مسؤولية القرار الخطير. لكنه لا يمانع أن يعطي العصمة لزوجته تطلق نفسها متى شاءت. ارتجف قلب (ماري) للحظة قبل أن تعلن موافقتها. لكنها لم تطلق نفسها في ذلك اليوم.
في مساء عاصف مترب. كان للريح فيه صفير. سمعت (ماري) من زوجها ما لم يرضها. فصرخت في وجهه وأفرغت كل شحنة الغضب في قرار داوٍ.. لقد أوقعت قرار الطلاق على علاقة استمرت لعقود ثم خرجت. وقفت عند الباب لبرهة وقد أحست أن عبئا ثقيلاً قد انزاح عن صدرها. تنفست الصعداء لكنها عجبت لما تداعت في خاطرها ذكريات لا تخلو من جمال كانت تطمرها طبقات الشحناء في بيت الزوجية الذي كان. وما إن أوصدت الباب لتغادر حتى انهمرت بغير إرادتها الدموع من عينيها غزيرة. ثم تزاحمت أمام ناظريها صور (العَشرة) فبكت حتى سمعت الحيطان النشيج. غالبت نفسها وأصمت أذنيها حتى لا تسمع صوت رجل في البيت يرجوها
وقفة أقرأ فيها لك أشعار الوداع
ساعة أغفر فيها لك أجيال امتناع
أسرعت الخطى لتقطع أي صلة لها بذلك البيت. والصور تترى وهي تتعامى عن رؤية أي منها.. ثم تذكرت من دون قصص كثيرة في ماضيها البعيد قصة أخيها الذي كان يعمل مع تاجر شمالي لئيم. أسمع ذات مساء أخاها عبارات عنصرية جعلت الصبي يتقلب في فراشه إلى أن أضمر شيئاً أراحه وجعله ينام حتى الصباح.. صحا مبكراً وحمل (عكازه) وترصد التاجر عند ركن من أركان بيته. تلاحقت أنفاس الصبي لما رأى التاجر يقترب. ولما حانت لحظة الصفر هوى بعصاه الغليظة على رأس الرجل حتى سال دمه وانداح مع الدم غبن كان في قلب الصبي. فأقبل نحو الرجل المسن يحتضنه وأخرج الصبي من جيبه خرقة يحاول بها تضميد الجراح.
سارت (ماري) مسافة طويلة لا تعرف وجهة محددة وما زالت تسير.
استمع الصديق لكنه لم يعلق. والتقى الصديقان في الذكرى الأولى لاستقلال الجنوب التي مرت قبل أيام. أعادا قراءة النص فبدا جديداً. ونظر صاحب القصة إلى صديقه ليعرف رد فعله. فقال الصديق إنها رؤية متفائلة ترى أن الجنوب قد أفرغ كل شحنة الغضب بضربة الانفصال الغاضبة حين هوى بعصاه الغليظة على رأس الشمال. وقد يكون الجنوب قد تعافى من شعور البغضاء. بحسب ما جاء في القصة. وقد يسعى لتضميد الجرح بعد أن تحول البغض إلى تعاطف حين رأى رأس الشيخ المسن وهي تدمي.. لكن الصديق لم يتفق مع كاتب القصة وقال إن حكومة الجنوب سوف تستثمر كراهية الشمال لفترات تطول وسوف تظل تذكر الجنوبيين بالشمال البغيض لتعلق عليه أخطاءها وتصرف به الأنظار عن فشلها. ولذلك أبقت حكومة الجنوب على ملف القضايا العالقة لتذكر الجنوبيين ببضعة كيلومترات ما زالت تحت (احتلال) الشمال وأن التحرير لم يكتمل بعد.
يواصل الصديق حديثه فيقول: عام كامل مضى على استقلال الجنوب ولم تنجح الحركة الشعبية في تحقيق جزء يسير من الأحلام الوردية ولم تفلح في غرس شتلة من الفردوس المنتظر. وأصبحت أخبار الحروب القبلية الطاحنة هي الأبرز. وبلغ الفساد درجة جعلت رئيس الحكومة يخاطب علناً خمسة وسبعين من قيادات الحركة الشعبية لإعادة أربعة مليار دولار إلى خزينة الدولة بعد أن نهبها أدعياء التحرير الذين جاؤوا لرد حقوق المظلومين وتخليصهم من قهر الشمال. ويتابع المعلق حديثه مخاطباً كاتب القصة: ليت ضربة الانفصال الموجعة قد أعادت التوازن النفسي للجنوبيين. ولو حدث ذلك لأمكن للطرفين في الشمال والجنوب بناء علاقة متوازنة بعيدة عن المزايدات تحقق المصالح والمنافع المشتركة. لكن الجنوب يريد توجيه ضربة وضربة وضربات للرأس الدامي وما درى أنه يؤذي الشمال ويؤذي نفسه. فالقائمون على أمر الجنوب ليسوا رجال دولة بل ثوارا عرفوا كيف يديرون حرب العصابات ثم وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام مسؤولية إدارة دولة.
كان الشمال محقاّ حين أعطى العصمة للزوجة تطلق نفسها متى شاءت، وقد فعلت بعد أن مارست حقها في تقرير المصير. ولكن وكما جاء في القصة فإنها وبعد أن خرجت من بيتها (سارت مسافة طويلة لا تعرف وجهة محددة وما زالت تسير).. ويعلق صاحبنا على هذه الجزئية مؤكداً أن الجنوب سوف يسير بلا هدى ما دام تحت قيادة الحركة الشعبية، لأنها حركة جبلت على خوض الحرب وما تعنيه من خراب ودمار، لكنها لم تتأهل لإدارة دولة، ولذلك تسارع دائماً إلى الميدان الذي تبرع فيه فتفتعل المشاكل وتشعل نار الحرب ولو من شرارة صغيرة. وما واقعة هجليج ببعيدة عن الأذهان. لقد خافت الحركة حينها من اتفاقية الحريات الأربع. لا لخطر في الاتفاقية على حكومة الجنوب لكنها اتفاقية تعني النهوض إلى العمل والإعمار. وأن أوان الجد قد أزف. فخافت الحركة وسارعت إلى الحرب حيث تضيع مطالب التنمية والخدمات وسط صيحات وطبول الحرب. وتتأجل كل المطالب الحيوية ما دام الوطن مهدداً من عدو خارجي.. ويا له من عدو. إنه الشمال بكل قبحه.
(أنا يا صديقي غير متفائل) هكذا قال الصديق يخاطب كاتب القصة. ثم واصل: وغير متفق معك أن العلاقة حملت ولو جزءاً يسيراً من الذكريات الحلوة التي تجعل الزوجة تبكي عند المغادرة بكاء له نشيج. قد تعود العلاقة لكنها علاقة فاترة تفرضها مصالح ضرورية. علاقة تفتقد أي بعد إنساني.
قال كاتب القصة إنه يراهن على رؤيته الواردة في نصه الأدبي وأن الذكريات الحلوة يعرفها أبناء الجنوب البسطاء الذين لم يفسدهم (احتراف) السياسة. هؤلاء تكفيهم ضربة واحدة على رأس الشمال. إنهم من رقّ قلبهم بعد أن أفرغوا شحنة البغضاء فأخرجوا من جيبهم خرقة يضمدون بها الجراح. خاصة بعد أن فشل ذوو القربى في إشباع الجوعى ومداواة المرضى وإيجاد فرص العمل. ثم أضاف أنه يراهن على لسان عربي جوبا وأغنية (يا بلدي يا حبوب) وعلى الهلال والمريخ. وأسطوات المباني وسياسيين عقلاء أمثال لوال دينق ممن لم ترهبهم آلة إعلام الحركة الشعبية التي تطابق بين الخيانة وأي حديث إيجابي عن الشمال. لكن كاتب القصة اتفق مع صديقه أن الطلقة بين الشمال والجنوب طلقة بائنة.