توطين صناعة الدكتاتور
13 ديسمبر 2014 , 07:33ص
داخل الإنسان ميل لتضخم الذات بما يبعث الاندهاش. فقد تضخمت (الأنا) في فرعون مصر حتى حسب نفسه محور الكون فقال {أنا ربكم الأعلى}. وبدرجة أقل. جسّد لويس الرابع عشر الدولة في شخصه فقال (أنا الدولة).. للدكتاتورية نماذج لافتة في مختلف العصور. وهي نتاج لطبيعة بشرية حيث يظن كل شخص أن رأيه هو الأصوب، ويتفاوت الناس في طريقة فرض آرائهم الشخصية، لكنهم كلهم يتمنون أن تسود آراؤهم. فإذا توفرت أسباب نمو الدكتاتورية في هذه النفس المهيّأة ظهرت نماذج الدكتاتورية بمختلف صورها. وقد يكون الدكتاتور بكامل مواصفاته منذ بدء حكمه في نظام صمم أساساً ليكون دكتاتورياً. فينشئ النظام جهازاً أمنياً قامعاً يكبت الحريات العامة و (يبني) المعتقلات. ويخلق النظام آلة إعلامية تعبوية ضخمة. تجيد الهتافيات وتمجد الزعيم وتتغنى بإنجازات جلها غير موجود على أرض الواقع.. وقد يبدأ الدكتاتور صغيراً فتضخمه بطانة ارتبطت مصالحها بوجود الرئيس في السلطة. تزين للحاكم كل ما يفعل وتبحث عن أسباب إرضائه وتتحرى مواضع ميوله وأمزجته.. ومع ضعف كوابح النفس الجامحة تظهر نماذج دكتاتورية كاريكاتورية تعبر عن حب التسلط وعن جنون العظمة. ويذكر في هذا المجال ضمن أمثلة كثيرة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الذي أصبح مادة للتسلية لوسائل الإعلام التي كانت تتبارى في إظهار خطبه العجيبة. وكذلك كان الإمبراطور بوكاسا الذي أصر في احتفالات عبثية على تنصيب نفسه إمبراطوراً على (إمبراطورية) إفريقيا الوسطى.. وأدخل هتلر وموسيليني البشرية في حرب قضت على عشرات الملايين لا لشيء سوى الطموحات الشخصية للدكتاتور. ويحكى أن ستالين لم يكن يرضى بروز أي قطب بجانبه ولو كانت زوجة سلفه الراحل لينين؛ فلما أحس منها ميلاً للأضواء. استدعاها وهددها بسحب لقب (أرملة لينين) منها.
عاش السودان نماذج دكتاتورية بعد أن تمّ بنجاح توطين صناعة الدكتاتور تقليداً لنماذج في المنطقة العربية وخارجها. سمعت سفيراً سابقاً يقول: إنه قد كلف بحكم عمله في مراسم الخارجية بمهام مراسمية خلال زيارة للرئيس عبدالناصر إلى السودان في أوائل العهد المايوي. الشيء الذي مكن السفير من متابعة تفاصيل دقيقة خلال الزيارة. منها أن الرئيس نميري وبعد أن أكمل مراسم استقبال ضيفه وأوصله إلى مقر إقامته. واصل مساره إلى القصر وصحبه سياسي كبير تقلد منصباً وزارياً في مايو. وظل هذا السياسي متهافتاً أمام الرئيس يردد على مسامعه مدحاً مبتذلاً. قال السفير إنه قد صعق عندما سمع السياسي الكبير يقول للرئيس نميري (هع أب سدراً باب. والله عبدالناصر جنبك قزم). وظل السفير ينبه كلما حكى هذه القصة إلى أن السياسي لم يكتف بالمداهنة والتهافت والابتذال، بل يصر على كذب مفضوح لأن عبدالناصر كان عملاقاً أعطاه الله بسطة في الجسم.. ثم يقول إن القصة نموذج لما يفعله مثقفون بهذا الوطن حين يوهمون قادة بما ليس فيهم حتى تتضخم فيهم الذات ويصدقون أنهم أنصاف آلهة. ويقول: إن النميري الذي كان ينظر لهذا السياسي حتى قبل أيام من وقوع الانقلاب باعتباره مفكراً وعالماً. لا بد أن يطغى حين رأى بعد أشهر قليلة من الانقلاب هذا العبقري يتقافز أمامه كالأراجوز يمدحه ويخطب وده.. وهكذا تحول نميري تدريجياً إلى دكتاتور تدور في فلكه بطانة المداهنين والمبررين والدجالين. وتقلب في فترة حكمه بين مواقع اليساري الذي يؤمم ويصادر والإسلامي الذي يطبق الحدود كيفما اتفق. ليجد عند كل محطة من يبرر له كل منقلب جديد.
يعيش السودان اليوم مرحلة دكتاتورية جديدة. فقد كان النظام شموليا بحكم مجيئه عبر انقلاب عسكري؛ لكن لم يظهر في بداياته قطباً أوحد ليكون مشروع دكتاتور يأتمر الناس بأمره. ولعل السبب الرئيس في ذلك هو أن الأب الروحي للنظام الجديد حسن الترابي قد فضّل حينها العمل من وراء الكواليس، ثم مرّ النظام بمفاصلة أبعدت الترابي لكنها لم تبرز قيادياً محدداً يلتف أهل النظام حوله، بل ظهرت مراكز قوى متعددة تصارعت حول السلطة. في هذه الأثناء قرر الرئيس البشير الاستفادة من إجماع المتصارعين عليه. فقرر الاستفراد بالسلطة مستعيناً على ذلك بالمؤسسة العسكرية التي قدمته، خاصة أنها تملك بحكم قوتها المادية أداة حسم الصراع، وكانت اللحظة الحاسمة حينما قدم الرئيس الجيش على الحزب، وأطاح بالفريق المدني الحاكم بإبعاد علي عثمان ونافع وعوض الجاز. وتقديم الفريق بكري حسن صالح لمنصب النائب الأول الذي كان حكراً على المدنيين.. تركزت القيادة في الثلاثي العسكري الرئيس ونائبه ووزير الدفاع عبدالرحيم محمد حسين، وعلت شعارات المداهنة الممكنة للدكتاتور مثل شعار (الرئيس صمام الأمان)، أو أن السودانيين قد يختلفون على أي شيء إلا على رئاسة البشير. وهكذا أصبحت قضايا وطنية كبيرة تحت رحمة الرؤية الشخصية للدكتاتور الجديد. وأصبح الحوار الوطني أول ضحايا رؤيته غير الموفقة؛ حيث عمد الرئيس إلى الإقصاء الذي لا يتماشى -بداهة- مع أجواء الحوار، بل لم يدرك خطر الاعتقال والأحكام الغيابية بالإعدام على عملية الحوار التي تستلزم مرونة وتنازلات من الداعي للحوار الوطني.. ولم يعدم البشير بالطبع من يبرر قراراته الضارة بالحوار حتى أحيطت آراء الرئيس بقداسة جعلت رئيس الوفد المفاوض إبراهيم غندور عاجزاً عن مكاشفة الرئيس بحتمية فشل الحوار مع حملة السلاح ما دام الحزب الحاكم قد أفشل الحوار الداخلي مع الأحزاب المعارضة المسالمة ليظل رئيس الوفد المفاوض في رحلات راتبة إلى أديس أبابا بحثاً عن حل تركه في الخرطوم.. هي حالة لا تبشر ببوادر لتسوية سياسية في السودان بعد أن اكتملت أركان الدكتاتورية في حاكم يحرص أشد الحرص على تكرار إعلانه باعتقال معارضين فور وصولهم أرض الوطن.
حالة الدكتاتورية وأضرارها تجعل قرار التنازل طواعية عن السلطة أهم قرار يتخذه الحاكم. وينم عن تسامي فوق التسلط وانتصار على نزوع النفس إلى الهيمنة وإيمان بضرورة التغيير؛ لذا تظل صور الترجل طواعية عن صهوة السلطة وعن شهوة الحكم من أروع المشاهد الإنسانية، ومن أبرزها تنازل المشير سوار الذهب والجنرال أوباسانغو والرئيس سنغور والزعيم نيلسون مانديلا وأمير دولة قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.. فهلا حذا الرئيس البشير حذوهم؟ الدلائل لا تشير إلى ذلك.. لكن لعل وعسى.
• aim.hamad@yahoo.com