alsharq

عادل إبراهيم حمد

عدد المقالات 369

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 04 نوفمبر 2026
إيران بين منطق الدولة وعقلية المواجهة
أيمن القدوة 05 نوفمبر 2026
التنوع الجيولوجي والسياحة البيئية
رأي العرب 04 نوفمبر 2026
5 أعوام من الأثر

توطين صناعة الدكتاتور

13 ديسمبر 2014 , 07:33ص
داخل الإنسان ميل لتضخم الذات بما يبعث الاندهاش. فقد تضخمت (الأنا) في فرعون مصر حتى حسب نفسه محور الكون فقال {أنا ربكم الأعلى}. وبدرجة أقل. جسّد لويس الرابع عشر الدولة في شخصه فقال (أنا الدولة).. للدكتاتورية نماذج لافتة في مختلف العصور. وهي نتاج لطبيعة بشرية حيث يظن كل شخص أن رأيه هو الأصوب، ويتفاوت الناس في طريقة فرض آرائهم الشخصية، لكنهم كلهم يتمنون أن تسود آراؤهم. فإذا توفرت أسباب نمو الدكتاتورية في هذه النفس المهيّأة ظهرت نماذج الدكتاتورية بمختلف صورها. وقد يكون الدكتاتور بكامل مواصفاته منذ بدء حكمه في نظام صمم أساساً ليكون دكتاتورياً. فينشئ النظام جهازاً أمنياً قامعاً يكبت الحريات العامة و (يبني) المعتقلات. ويخلق النظام آلة إعلامية تعبوية ضخمة. تجيد الهتافيات وتمجد الزعيم وتتغنى بإنجازات جلها غير موجود على أرض الواقع.. وقد يبدأ الدكتاتور صغيراً فتضخمه بطانة ارتبطت مصالحها بوجود الرئيس في السلطة. تزين للحاكم كل ما يفعل وتبحث عن أسباب إرضائه وتتحرى مواضع ميوله وأمزجته.. ومع ضعف كوابح النفس الجامحة تظهر نماذج دكتاتورية كاريكاتورية تعبر عن حب التسلط وعن جنون العظمة. ويذكر في هذا المجال ضمن أمثلة كثيرة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الذي أصبح مادة للتسلية لوسائل الإعلام التي كانت تتبارى في إظهار خطبه العجيبة. وكذلك كان الإمبراطور بوكاسا الذي أصر في احتفالات عبثية على تنصيب نفسه إمبراطوراً على (إمبراطورية) إفريقيا الوسطى.. وأدخل هتلر وموسيليني البشرية في حرب قضت على عشرات الملايين لا لشيء سوى الطموحات الشخصية للدكتاتور. ويحكى أن ستالين لم يكن يرضى بروز أي قطب بجانبه ولو كانت زوجة سلفه الراحل لينين؛ فلما أحس منها ميلاً للأضواء. استدعاها وهددها بسحب لقب (أرملة لينين) منها.
عاش السودان نماذج دكتاتورية بعد أن تمّ بنجاح توطين صناعة الدكتاتور تقليداً لنماذج في المنطقة العربية وخارجها. سمعت سفيراً سابقاً يقول: إنه قد كلف بحكم عمله في مراسم الخارجية بمهام مراسمية خلال زيارة للرئيس عبدالناصر إلى السودان في أوائل العهد المايوي. الشيء الذي مكن السفير من متابعة تفاصيل دقيقة خلال الزيارة. منها أن الرئيس نميري وبعد أن أكمل مراسم استقبال ضيفه وأوصله إلى مقر إقامته. واصل مساره إلى القصر وصحبه سياسي كبير تقلد منصباً وزارياً في مايو. وظل هذا السياسي متهافتاً أمام الرئيس يردد على مسامعه مدحاً مبتذلاً. قال السفير إنه قد صعق عندما سمع السياسي الكبير يقول للرئيس نميري (هع أب سدراً باب. والله عبدالناصر جنبك قزم). وظل السفير ينبه كلما حكى هذه القصة إلى أن السياسي لم يكتف بالمداهنة والتهافت والابتذال، بل يصر على كذب مفضوح لأن عبدالناصر كان عملاقاً أعطاه الله بسطة في الجسم.. ثم يقول إن القصة نموذج لما يفعله مثقفون بهذا الوطن حين يوهمون قادة بما ليس فيهم حتى تتضخم فيهم الذات ويصدقون أنهم أنصاف آلهة. ويقول: إن النميري الذي كان ينظر لهذا السياسي حتى قبل أيام من وقوع الانقلاب باعتباره مفكراً وعالماً. لا بد أن يطغى حين رأى بعد أشهر قليلة من الانقلاب هذا العبقري يتقافز أمامه كالأراجوز يمدحه ويخطب وده.. وهكذا تحول نميري تدريجياً إلى دكتاتور تدور في فلكه بطانة المداهنين والمبررين والدجالين. وتقلب في فترة حكمه بين مواقع اليساري الذي يؤمم ويصادر والإسلامي الذي يطبق الحدود كيفما اتفق. ليجد عند كل محطة من يبرر له كل منقلب جديد.
يعيش السودان اليوم مرحلة دكتاتورية جديدة. فقد كان النظام شموليا بحكم مجيئه عبر انقلاب عسكري؛ لكن لم يظهر في بداياته قطباً أوحد ليكون مشروع دكتاتور يأتمر الناس بأمره. ولعل السبب الرئيس في ذلك هو أن الأب الروحي للنظام الجديد حسن الترابي قد فضّل حينها العمل من وراء الكواليس، ثم مرّ النظام بمفاصلة أبعدت الترابي لكنها لم تبرز قيادياً محدداً يلتف أهل النظام حوله، بل ظهرت مراكز قوى متعددة تصارعت حول السلطة. في هذه الأثناء قرر الرئيس البشير الاستفادة من إجماع المتصارعين عليه. فقرر الاستفراد بالسلطة مستعيناً على ذلك بالمؤسسة العسكرية التي قدمته، خاصة أنها تملك بحكم قوتها المادية أداة حسم الصراع، وكانت اللحظة الحاسمة حينما قدم الرئيس الجيش على الحزب، وأطاح بالفريق المدني الحاكم بإبعاد علي عثمان ونافع وعوض الجاز. وتقديم الفريق بكري حسن صالح لمنصب النائب الأول الذي كان حكراً على المدنيين.. تركزت القيادة في الثلاثي العسكري الرئيس ونائبه ووزير الدفاع عبدالرحيم محمد حسين، وعلت شعارات المداهنة الممكنة للدكتاتور مثل شعار (الرئيس صمام الأمان)، أو أن السودانيين قد يختلفون على أي شيء إلا على رئاسة البشير. وهكذا أصبحت قضايا وطنية كبيرة تحت رحمة الرؤية الشخصية للدكتاتور الجديد. وأصبح الحوار الوطني أول ضحايا رؤيته غير الموفقة؛ حيث عمد الرئيس إلى الإقصاء الذي لا يتماشى -بداهة- مع أجواء الحوار، بل لم يدرك خطر الاعتقال والأحكام الغيابية بالإعدام على عملية الحوار التي تستلزم مرونة وتنازلات من الداعي للحوار الوطني.. ولم يعدم البشير بالطبع من يبرر قراراته الضارة بالحوار حتى أحيطت آراء الرئيس بقداسة جعلت رئيس الوفد المفاوض إبراهيم غندور عاجزاً عن مكاشفة الرئيس بحتمية فشل الحوار مع حملة السلاح ما دام الحزب الحاكم قد أفشل الحوار الداخلي مع الأحزاب المعارضة المسالمة ليظل رئيس الوفد المفاوض في رحلات راتبة إلى أديس أبابا بحثاً عن حل تركه في الخرطوم.. هي حالة لا تبشر ببوادر لتسوية سياسية في السودان بعد أن اكتملت أركان الدكتاتورية في حاكم يحرص أشد الحرص على تكرار إعلانه باعتقال معارضين فور وصولهم أرض الوطن.
حالة الدكتاتورية وأضرارها تجعل قرار التنازل طواعية عن السلطة أهم قرار يتخذه الحاكم. وينم عن تسامي فوق التسلط وانتصار على نزوع النفس إلى الهيمنة وإيمان بضرورة التغيير؛ لذا تظل صور الترجل طواعية عن صهوة السلطة وعن شهوة الحكم من أروع المشاهد الإنسانية، ومن أبرزها تنازل المشير سوار الذهب والجنرال أوباسانغو والرئيس سنغور والزعيم نيلسون مانديلا وأمير دولة قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.. فهلا حذا الرئيس البشير حذوهم؟ الدلائل لا تشير إلى ذلك.. لكن لعل وعسى.
• aim.hamad@yahoo.com
الوصفة السياسية

الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...

موكب 30 يونيو اختبار للديمقراطية في السودان

دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...

قوى الثورة السودانية في تحالفات جديدة

دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....

هيبة الدولة لوقف النزاعات القبلية

إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...

الوجود الأجنبي والسيادة الوطنية

يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...

ظاهرة حميدتي

إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...

أين تضيع جهود الأحزاب السودانية؟

بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...

سد النهضة وضرورة توازن المصالح

تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...

«كورونا» وسنن الله في الكون

ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...

ملف السلام والمسارات الجهوية

شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...

الديمقراطية تُسقط هذه الذرائع

في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...

ضرورة التمييز بين النظام والحكومة

عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...