مع أهل الأثر في قولنا: «ما شاء القدر»!
13 يوليو 2012 , 12:00ص
بين يدي اعتراضٌ وردني من أحد الشباب وهو من أتباع التيّار السلفيّ (كما يسمّون أنفسهم) مع كوني لا أحبُّ هذه التسميات. أعني تصنيف (أتباع الجماعات الإسلامية) أنفسهم فرقاً وأحزاباً، كثيراً ما يختلف أربابُها مع أتباع التّوجهات الأخرى.. فهذا سلفيّ! وذاك إخوانيّ! وآخر تبليغيّ! ورابعٌ جهاديّ! وهكذا.
والغريب أن بعض أولئك (المنتمين إلى تلك الجماعات) نجدهم يُنكرون أشدّ الإنكار الابتداع في أشياء لم يكن عليها السلف.. ومن المحزن أننا لا نجد تلك الدرجة من الإنكار على التعصّب الأعمى لحيّز الجماعة الضيّق الذي كثيراً ما يجلب (التحزّب الممقوت) وهو ما يُمارسه البعض (باللا شعور أحياناً)، فالإنسان مجبولٌ على التغريد في سربه الذي ترعرع فيه! لكن ذلك (التحزّب) ممّا نهى عنه ديننا في قوله تعالى: «وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ».
والسؤال: هل كان أهل القرون الثلاثة المفضّلة يميّزون بعضهم عن سائر المسلمين بمثل ذلك التقوقع الضيّق؟!
أعود لصاحبي الذي أنكر على كاتب الزاوية عندما استخدمتُ المجاز اللغوي فيما قلتُه في مقال أسبق: (أظنّ أن القدر الأعلى لن يرضى...) فقال: (القدر ليست له مشيئة حتى يرضى أو لا يرضى!... بل شاء الله وحده، ومشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله..
وهذا الكلام من العجب بمكان ما يجعل المرء يندهش وتذهب نفسه لأجله حسرات على أهل اللسان العربي، الذي صرخ صارخ غيورٌ منهم في قرن مضى فقال وهو ينعى لغتنا بلسان حالها:
رجعتُ لنفسي فاتّهمتُ حَصاتي وناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتي!
رموني بعُقمٍ في الشباب وليتني عـَقِمتُ فلمْ أجزعْ لقول عِداتي!
وَلدتُّ، ولمّا لم أجد لعرائسي رجالاً وأكفـَاءً وأدتُ بناتي!
وللإجابة على (السلفي المذكور) دعونا نقول:
إن استخدام المجاز والكناية والاستعارة والتشبيه وضرب الأمثلة وما شابه ذلك من وجوه البلاغة، ومن أساليب البديع والبيان في اللغة العربية -المهجورة في زماننا إلى لغة لم تتصل برواة- هو من أسمى وأعظم وأخصّ خصائص لغتنا الجميلة.
والكلام العربي يفقد أجمل صوره وأساليبه، ويهوي من عليائه عندما يكون كلاماً مباشراً خالياً من الصور والأقيسة والاستعارات، فعندما يكون الكلام صفراً من تلك المُحسّنات والبُنى اللغويّة الرصينة، يتحوّل لكلامٍ سطحي مفتقرٍ إلى السبك والترابط والتناغم بين الألفاظ والمعاني، الذي يجعله يشكّل لوحة تتفاعل وتنسجم معها النفس، لتجد فيها المتعة والسمو والرفعة في التذوّق الأدبيّ، ولا قيمة للكلام بغير ذلك.
ولعل هذا هو السبب الذي سُمّي الأدب لأجله أدباً، فمن أهدافه أنه يرتفع بالنفس الإنسانية إلى مقام عالٍ، ويحلق بمن يعيش في فضائه وسط رحاب وارفة الظلال، «فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ».
والقرآن الكريم هو في الذروة القصوى من تلك المعاني، ولذلك أنزله الله في عصرٍ كان العرب فيه على أعظم قدر من التذوّق والحسّ اللغوي يمكن أن يصل إليه بشر في زمن من الأزمان! فأعجز أساطين البيان، وعمالقة ضروب الكلام آنذاك أن يجاروه أو يباروه، فاختاروا أن يُبارزوا (صاحب القرآن) بالسِنان بعد ظهور عوراتهم، وبعدما آيسهم عن مقارعته باللسان!
وعوداً على أوّل الكلام لنتساءل: هل في القرآن من ذلك المجاز الذي لم يرُق لصاحبنا؟
والجواب: بالقطع نعم.. فالقرآن مليء بين دفتيه بألفاظ المجاز والاستعارات، وأكتفي بذكر بعض الأمثلة:
تأمّل معي أيّها (المُنكِر) قول إخوة يوسف: «وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا» فهل كانوا يطلبون من أبيهم أن يسأل جُدران وسِكك القرية التي مرّوا بها؟! أو أن يسأل إبل القافلة التي قدموا عليها؟!
وفي قوله تعالى عن الخَضِر مع سيّدنا موسى: «فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ..» فهل للجدار إرادة يستطيع بها أن يَنسف نفسه ليكشف الكنز المدفون تحته؟!
وعندما خاطب الله تعالى المؤمنين بقوله: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا»، فهل تعني الآية أن الله خلق بين السماء والأرض (حبلاً ممتداً من الليف) يجب على عباده أن يتعلقوا به، ولا يتركونه لحظة واحدة لكي ينجوا من عوادي الأيام؟! هل يقول بمثل ذلك عاقل؟!
فكذلك القول في رضا القدر. فلا يُظَنّ أن في الدنيا عاقلا سوف يفهم من تلك العبارة أن للقدر إرادة مستقلة يستطيع بها أن يُصيّر الأمور وِفق هواه! أو أن يرفض أن يلتزم بما كتبه ربّنا في لوحه المحفوظ! إن هذا لشيءٌ عُجاب! نصيحة (بإخلاص) لصاحب الاعتراض ولمن هم خلفه:
بكل احترام:
عودوا إلى كتاب الله، وقلّبوا وجوهكم في صفحاته آناء الليل وآناء النهار، فهو الأولى أن تُشغِلوا أنفسكم والناس بما فيه من الآيات والحِكم والمواعظ والقـَصص والمَثـُلات لعلكم تتذكرون، وتدبّروا آياته بنظر متجرّد من الآراء العليلة وأقوال (أصحاب الطرائق) التي يُتقن (البعض) التمترُس وراءها، ثمّ يلتفت بعدها لكتاب الله لا ليهتدي بوحيه ويعمل بمُحكمِه!
وإنما ليجد الدليل على ما تلقّفه من أقوال، حتى ولو أدّى به الأمر أن يُخرِج النّص القرآني عن مضامينه الكُبرى، وعن إشاراته القريبة والبعيدة (بحسب تعبير الإمام محمّد الغزالي).
ولكن قبل ذلك اجعلوا لأنفسكم نصيباً من تعلّم آداب اللغة وأساليبها وأغراضها، فهي الأداة الأولى لفهم كتاب الله قبل أن تزلّ بكم الأقدام، وقبل أن تكونوا مثل الذي أراد نفعاً فأضرّ!
لعلّها تثمِر:
لمّا شرعتُ في كتابة هذا المقال طلبتُ من العلامة (الشيخ الولي ماء العينين) وهو بحر العلوم لكنّ قومي لا يعلمون! وله في نظم القوافي قدمٌ راسخة -طلبت منه أن ينظم لنا أبياتاً يجمع فيها أسماء الكتب الأربعة التي أجمع عليها أهل الفنّ أنها (عمدة الأدب) وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، والكامل للمبرّد، والبيان والتبيين للجاحظ، والأمالي لأبي علي القالي، فبادر -رعاهُ الله- برغبة وشَغَف فأتحفنا بقوله:
أدبُنــا عُمدتُــهُ بأربــع ِ*** مـن كُتُــبٍ مشهـــورة فانتفِــع ِ
(بــأدب الكاتــب ِ) (والبيــان ِ) *** (وكامــلٍ) (أمالــيّ) حِســان ِ
فطـالِعَنهــا يا أخـا المعــارِفِ *** تُـفِــدكَ مـن حديثهــا والسالــف ِ
وقد أوجز (الشنقيطيّ) وأفاد، فيما نحن بصدده وأجاد!
ولنا لقاءٌ والسّلام.. (على أمّة هجرت كتاب ربّها إلى الأوهام)! «فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ».
• باحث شرعي بوزارة الأوقاف