alsharq

أحمد المصلح

عدد المقالات 43

مع أهل الأثر في قولنا: «ما شاء القدر»!

13 يوليو 2012 , 12:00ص

بين يدي اعتراضٌ وردني من أحد الشباب وهو من أتباع التيّار السلفيّ (كما يسمّون أنفسهم) مع كوني لا أحبُّ هذه التسميات. أعني تصنيف (أتباع الجماعات الإسلامية) أنفسهم فرقاً وأحزاباً، كثيراً ما يختلف أربابُها مع أتباع التّوجهات الأخرى.. فهذا سلفيّ! وذاك إخوانيّ! وآخر تبليغيّ! ورابعٌ جهاديّ! وهكذا. والغريب أن بعض أولئك (المنتمين إلى تلك الجماعات) نجدهم يُنكرون أشدّ الإنكار الابتداع في أشياء لم يكن عليها السلف.. ومن المحزن أننا لا نجد تلك الدرجة من الإنكار على التعصّب الأعمى لحيّز الجماعة الضيّق الذي كثيراً ما يجلب (التحزّب الممقوت) وهو ما يُمارسه البعض (باللا شعور أحياناً)، فالإنسان مجبولٌ على التغريد في سربه الذي ترعرع فيه! لكن ذلك (التحزّب) ممّا نهى عنه ديننا في قوله تعالى: «وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ». والسؤال: هل كان أهل القرون الثلاثة المفضّلة يميّزون بعضهم عن سائر المسلمين بمثل ذلك التقوقع الضيّق؟! أعود لصاحبي الذي أنكر على كاتب الزاوية عندما استخدمتُ المجاز اللغوي فيما قلتُه في مقال أسبق: (أظنّ أن القدر الأعلى لن يرضى...) فقال: (القدر ليست له مشيئة حتى يرضى أو لا يرضى!... بل شاء الله وحده، ومشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله.. وهذا الكلام من العجب بمكان ما يجعل المرء يندهش وتذهب نفسه لأجله حسرات على أهل اللسان العربي، الذي صرخ صارخ غيورٌ منهم في قرن مضى فقال وهو ينعى لغتنا بلسان حالها: رجعتُ لنفسي فاتّهمتُ حَصاتي وناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتي! رموني بعُقمٍ في الشباب وليتني عـَقِمتُ فلمْ أجزعْ لقول عِداتي! وَلدتُّ، ولمّا لم أجد لعرائسي رجالاً وأكفـَاءً وأدتُ بناتي! وللإجابة على (السلفي المذكور) دعونا نقول: إن استخدام المجاز والكناية والاستعارة والتشبيه وضرب الأمثلة وما شابه ذلك من وجوه البلاغة، ومن أساليب البديع والبيان في اللغة العربية -المهجورة في زماننا إلى لغة لم تتصل برواة- هو من أسمى وأعظم وأخصّ خصائص لغتنا الجميلة. والكلام العربي يفقد أجمل صوره وأساليبه، ويهوي من عليائه عندما يكون كلاماً مباشراً خالياً من الصور والأقيسة والاستعارات، فعندما يكون الكلام صفراً من تلك المُحسّنات والبُنى اللغويّة الرصينة، يتحوّل لكلامٍ سطحي مفتقرٍ إلى السبك والترابط والتناغم بين الألفاظ والمعاني، الذي يجعله يشكّل لوحة تتفاعل وتنسجم معها النفس، لتجد فيها المتعة والسمو والرفعة في التذوّق الأدبيّ، ولا قيمة للكلام بغير ذلك. ولعل هذا هو السبب الذي سُمّي الأدب لأجله أدباً، فمن أهدافه أنه يرتفع بالنفس الإنسانية إلى مقام عالٍ، ويحلق بمن يعيش في فضائه وسط رحاب وارفة الظلال، «فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ». والقرآن الكريم هو في الذروة القصوى من تلك المعاني، ولذلك أنزله الله في عصرٍ كان العرب فيه على أعظم قدر من التذوّق والحسّ اللغوي يمكن أن يصل إليه بشر في زمن من الأزمان! فأعجز أساطين البيان، وعمالقة ضروب الكلام آنذاك أن يجاروه أو يباروه، فاختاروا أن يُبارزوا (صاحب القرآن) بالسِنان بعد ظهور عوراتهم، وبعدما آيسهم عن مقارعته باللسان! وعوداً على أوّل الكلام لنتساءل: هل في القرآن من ذلك المجاز الذي لم يرُق لصاحبنا؟ والجواب: بالقطع نعم.. فالقرآن مليء بين دفتيه بألفاظ المجاز والاستعارات، وأكتفي بذكر بعض الأمثلة: تأمّل معي أيّها (المُنكِر) قول إخوة يوسف: «وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا» فهل كانوا يطلبون من أبيهم أن يسأل جُدران وسِكك القرية التي مرّوا بها؟! أو أن يسأل إبل القافلة التي قدموا عليها؟! وفي قوله تعالى عن الخَضِر مع سيّدنا موسى: «فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ..» فهل للجدار إرادة يستطيع بها أن يَنسف نفسه ليكشف الكنز المدفون تحته؟! وعندما خاطب الله تعالى المؤمنين بقوله: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا»، فهل تعني الآية أن الله خلق بين السماء والأرض (حبلاً ممتداً من الليف) يجب على عباده أن يتعلقوا به، ولا يتركونه لحظة واحدة لكي ينجوا من عوادي الأيام؟! هل يقول بمثل ذلك عاقل؟! فكذلك القول في رضا القدر. فلا يُظَنّ أن في الدنيا عاقلا سوف يفهم من تلك العبارة أن للقدر إرادة مستقلة يستطيع بها أن يُصيّر الأمور وِفق هواه! أو أن يرفض أن يلتزم بما كتبه ربّنا في لوحه المحفوظ! إن هذا لشيءٌ عُجاب! نصيحة (بإخلاص) لصاحب الاعتراض ولمن هم خلفه: بكل احترام: عودوا إلى كتاب الله، وقلّبوا وجوهكم في صفحاته آناء الليل وآناء النهار، فهو الأولى أن تُشغِلوا أنفسكم والناس بما فيه من الآيات والحِكم والمواعظ والقـَصص والمَثـُلات لعلكم تتذكرون، وتدبّروا آياته بنظر متجرّد من الآراء العليلة وأقوال (أصحاب الطرائق) التي يُتقن (البعض) التمترُس وراءها، ثمّ يلتفت بعدها لكتاب الله لا ليهتدي بوحيه ويعمل بمُحكمِه! وإنما ليجد الدليل على ما تلقّفه من أقوال، حتى ولو أدّى به الأمر أن يُخرِج النّص القرآني عن مضامينه الكُبرى، وعن إشاراته القريبة والبعيدة (بحسب تعبير الإمام محمّد الغزالي). ولكن قبل ذلك اجعلوا لأنفسكم نصيباً من تعلّم آداب اللغة وأساليبها وأغراضها، فهي الأداة الأولى لفهم كتاب الله قبل أن تزلّ بكم الأقدام، وقبل أن تكونوا مثل الذي أراد نفعاً فأضرّ! لعلّها تثمِر: لمّا شرعتُ في كتابة هذا المقال طلبتُ من العلامة (الشيخ الولي ماء العينين) وهو بحر العلوم لكنّ قومي لا يعلمون! وله في نظم القوافي قدمٌ راسخة -طلبت منه أن ينظم لنا أبياتاً يجمع فيها أسماء الكتب الأربعة التي أجمع عليها أهل الفنّ أنها (عمدة الأدب) وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، والكامل للمبرّد، والبيان والتبيين للجاحظ، والأمالي لأبي علي القالي، فبادر -رعاهُ الله- برغبة وشَغَف فأتحفنا بقوله: أدبُنــا عُمدتُــهُ بأربــع ِ*** مـن كُتُــبٍ مشهـــورة فانتفِــع ِ (بــأدب الكاتــب ِ) (والبيــان ِ) *** (وكامــلٍ) (أمالــيّ) حِســان ِ فطـالِعَنهــا يا أخـا المعــارِفِ *** تُـفِــدكَ مـن حديثهــا والسالــف ِ وقد أوجز (الشنقيطيّ) وأفاد، فيما نحن بصدده وأجاد! ولنا لقاءٌ والسّلام.. (على أمّة هجرت كتاب ربّها إلى الأوهام)! «فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ». • باحث شرعي بوزارة الأوقاف

أنا الآتي.. ونور الفجر مرآتي

عـلى محمل الغوص سنبحر إلى خليج الأمس، ومع هدير الموج المرعد «بالهولو والـ يا مال». المال!! الرجال!! فما قصة «اليامال» ومجازفة الرجال؟؟ وما أدراك ما صنع الرجال في خليجنا العظيم عندما أرخصوا الأرواح؟ ذاك -وربِّ...

فكيفَ بمَن يأتي بهِ وهْوَ باسمُ؟!

يقول الكويتي الرائع سعد المطرفي: مِجالِسِن خمسه بخمسه ولا لِكْ مَحَلْ أربع وعشرين ساعه تَطبَخْ دلالَها!!! ومجالِسِن كُبْرَها كُبراه ما تِندهل حتّى بساس الحواري ما تِعنّى لها؟؟! أرسل يدعوني قريب (في الصدر له منزلة لا...

الهجرة إلى الوطن «لا منه»

وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً قديماً قيل: تركتُ هَوى ليلى وسُعْدَى بِمَعزِلِ وعُدتُ إلى تَصحيحِ أوّلِ مَنزِلِ؟؟! فنادَتْ بيَ الأشواقُ مَهلاً فهذِهِ منازلُ من تَهوى رُويدكَ فانْزِلِ غزلتُ لهُمْ...

من حكماء بلادي.. المستشار حسن بن محمّد الكبيسي

من طول وتقادم زمان الصمت العربي المريب فإنّ ** في الجراب يا حادينا الجواب في كل يوم ألج مكتبه المتلألئ الأنيق -كما صاحبه البسّام المنيف- ومع كلّ اتصال، وعند كل لقاء.. لا يلقاني أبداً إلا...

ثمّ دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف!!

في غرة المحرم من هذه السنة، انتبه أهل الإسلام «وعلماؤهم وساستهم» واستيقظوا من رقدة طال أمدها قروناً خلت، وتقادمت عليها الأعوام عقوداً تخلت، ومع بزوغ شمس العام، تدفقت في الأمة دماء الغيرة والإباء، وانفجرت في...

وداعاً «الكُميت» الخيّر.. وابن الخيارين

فقدنا يوم الجمعة (8 ذي الحجة 1440هـ) أحد أنقى وأصفى وأصدق وألطف الرجال، إنه العزيز الكريم، ضحوك السن، واسع القلب، الضحّاك جالب السرور وانشراح الصدر لكلّ من عرفه؛ إنه الأستاذ علي بن محمد الكُميت الخيارين،...

2/إضاءة (آل سعد).. مثل (للسيّد)

(ترى النعمة زوّالة) !! (كثيب رمل مهيل).. حول شواطئ (بحر الخليج).. يتراكم ويموج.. من خلفه الطوفان.. من خلفه السد. من «عودة قلم» الاثنين (21/1/2019) حول «هدر الأموال» وبوهج قبس الكاتبة سهلة آل سعد، لوزيرة الصحة...

بين هدايات الكتاب وتوطئة الواقع «لوقوع العذاب»

تمهيد لا بُدّ منه: تعالى الله ربنا الجليل وتقدس أن «يفهم أمره» في قوله جل جلاله: «وإذَا أَرَدْنَا أَن نُهلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا»، تعالى الله أنْ يأمرَ الفاسق...

الأصاغر بين فكّي أكابر مجرميها

في الغابات نشاهد بقر الوحش والظباء والدوابّ كافة، وقد سخّر الله بعضها بحكمته البالغة لكي تُفترس بالأنياب، ذلك للحفاظ على حياة القطيع وباقي الأنواع، «صُنعَ اللهِ الذي أتقنَ كلّ شيءٍ»، وما يُعرف بـ «دورة الحياة»...

لا تستعدوا قطر (النِّشَب)؟؟ (1)

باسم الله مُجريها.. وما أدراك ما أُلهِبت النفس عندما يتعلق البيان بقطر؛ نبض أعصابنا، وتربة آبائنا وأمهاتنا. توهّم الواهمون في «كيانات» فاشلة تعزف على «طبول أساتذة جوفاء» أن قطر صيد يسهل اقتناصه وابتلاعه، بخاصة الذي...

كتاب العظيم «1»

هل إلى «تدبُّر» القرآن من سبيل؟! صح عن النبيّ الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- قوله: «ألا إن سلعة الله غالية».. وعطاء العظيم بمقدار عظمته وكرمه.. والقرآن العظيم هو أعظم ما امتنّ به العظيم -سبحانه-...

يا ناس اكذبوا.. وخادعوا !!

في زمانٍ مضى وتولى كان العربُ -الشرفاءُ منهم، والنبلاء بالأخص، وأصحاب الزعامة والوجاهة- يأنفون من الكذب ويستقبحونهُ أشدّ القبح، ويعدّونهُ من خوارم المروءات التي يُعيّرُ بها المرء إنْ أُثرَ عنه أنه أحدثَ كذبة!! فلا يزال...