وشهد شاهد من أهلها!! (2-2)
13 يونيو 2015 , 01:42ص
توقفنا في المقال الماضي، حول استنساخ آليات حكم نظام مبارك، في الترويج لفكرة تحقيق إنجازات على الصعيد الاقتصادي، خلال العام الماضي، ولن نرد على كل ما سبق بأي تقارير دولية، أو اعتمادا على جهات فيها شبه معارضة للنظام، ولكننا سنتوقف عند ما جاء في التقرير الأخير، الذي تم الكشف عنه للمجلس القومي لحقوق الإنسان، برئاسة محمد فائق، وهو مجلس من المحسوبين على النظام، تتولى الحكومة تعيين أعضائه، وكلهم من الموالين لها، وبعضهم من زعامات ٣٠ يونيو ٢٠١٣، عندما تحدث عن ارتفاع نسبة الأمية في جميع المحافظات، وتدني مستوى الخدمات التعليمية والصحية، ونقص الدواء الخاص بعلاج فيروس سي، رغم أن تقرير رئاسة الجمهورية اعتبر من إنجازات العام، تخصيص حوالي ٣٠٠ مليون دولار لاستيراد الدواء الخاص بهذا المرض، وتحدث التقرير أيضاً عن غياب شبكة صرف صحي في أغلب مناطق الجمهورية، كما أشار التقرير إلى أن الكثير من القرى معزولة عن المراكز التابعة لها، لعدم توافر خدمة مواصلات أو طرق ممهدة، والنظام يروج لمشروع قومي حول شبكة الطرق الجديدة، كما أن منظومة الخبز التي تفتخر بها الحكومة غير عادلة، ولا تشمل كل المواطنين على حد وصف التقرير، كما تعاني المحافظات من انقطاع التيار الكهربائي بشكل مستمر، ولساعات طويلة، ومعاناة المواطنين من تفاقم مشكلة مياه الشرب، وانتهاء اهتمام الدولة أصلا بمشكلة الإسكان.
ولعلنا أمام ظاهرة جسدها العام الأول، وعنوانها الرئيسي «الإنجاز بالإعلام» وإشاعة الآمال والأحلام الكاذبة بالشعارات، ولعلنا نتوقف عند نموذج فج يوضح ما نقوله، وهو الخاص ببناء مليون وحدة سكنية لمحدودي الدخل في مصر، والذي تم التوقيع عليه في مارس من العام قبل الماضي، وتم التعامل معه على أنه «عربون محبة»، من وزير الدفاع في ذلك الوقت، المشير عبدالفتاح السيسي إلى الشعب المصري، إيذانا بترشحه للرئاسة، الذي تم الإعلان عنه بعد حوالي ثلاثة أسابيع أو أقل، والتوقيع بين وزارة الدفاع والإنتاج الحربي وشركة إماراتية، دون علم وزارة الإسكان، واستبعاد أي دور لها، لإنشاء مليون وحدة سكنية بتكلفة إجمالية ٢٨٠ مليار جنيه مصري، خلال خمس سنوات، ويشمل إنشاء الوحدات في ١٣ موقعا، بإجمالي ١٦٠ مليون متر، وتم منح الأرض بالمجان للشركة، في مقابل تسليمها الوحدات، بمقدمات تتجاوز ما بين ١٠ إلى ١٥ ألف جنيه مقدم، والباقي على أقساط يتم تسديدها على ٣٠ عاما، وكانت الشركة الإماراتية تتعامل مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة مباشرة، دون أي دور لوزارة الإسكان، وبعد حفل التوقيع المهيب، بدأت المشاكل من أول تعثر الشركة نفسها، واقترابها من الإفلاس، وتبعها رغبة الشركة في رهن أرض المشروع للبنوك، للحصول على قرض بمليار جنيه، رغم أنها حصلت عليها بالمجان، وهو ما تم رفضه من وزارة الإسكان التي تولت المهمة، بعد أن تم تنحية الهيئة الهندسية، وآخر تطورات القضية رغبة الشركة في تغيير طبيعة المشروع، من وحدات لمحدودي الدخل، إلى متوسطي الدخل، لتتعدى قيمة الوحدة حوالي ٤٠٠ ألف جنيه، والأغلب هو فشل المشروع، دون أن يتم معاقبة من ورط الدولة في مثل هذه القضية. ولماذا لم تبحث كافه التفاصيل في ذلك الحين؟ ولم تتوقف الكوارث عند ذلك الحد فقط، فقد بدأت الأنباء تتوارد حول وجود خلاف بين الحكومة والشركة الإماراتية والمكلفة ببناء مشروع العاصمة الجديدة، الذي مثلت المشروع الأهم، الذي حاولت الحكومة الترويج به لنجاح المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ، خاصة بعد أن طلب المستثمر الإماراتي حصول مصر على نسبة من أرباح المشروع، دون امتلاك حصة فيه، مما يهدد المشروع بالتوقف، وهذان النموذجان يؤكدان حالة التخبط الشديد، الذي تعيشه مصر، والرغبة في إظهار شو إعلامي، عن إنجازات في مشروعات يقال إنها قومية، دون دراسة أو تخطيط، مع الوضع في الاعتبار، أن العامل الرئيسي في أي مشروع استثماري، هو لغة المصالح بعيدا عن حملات العلاقات العامة، وهي المجال الوحيد الذي يشهد نجاحا للنظام خلال العام الماضي.
الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل يسوء الوضع إذا تعلق بملف حقوق الإنسان مثلا، ولن نعتمد في ذلك على أي تقارير أجنبية، التي تتحدث عن 40 ألف معتقل، ومئات الأحكام بالإعدام، ولكننا سنعتمد على ما جاء في تقرير مجلس حقوق الإنسان الرسمي، والذي رصد سقوط 2600 ضحية منذ فض رابعة العدوية، رغم أن البعض يشير إلى أرقام أكبر من ذلك، منهم كما يقول التقرير 700 من رجال الشرطة والجيش، و550 من المدنيين، و1250 من أنصار جماعة الإخوان المسلمين، مطالبا بإعلان النتائج الخاصة التي أجرتها السلطات المعنية حول تلك الأحداث، كما يتحدث التقرير عن وفاة عشرات من السجناء، داخل أماكن الاحتجاز، ويحدد الرقم بـ98، بينما تشير الداخلية إلى 36 حالة، وهي الظاهرة التي عادت مجددا، وقد حاول التقرير «الإمساك بالعصا من المنتصف» عندما أشار إلى أنه لم يثبت أن تلك الحالات ماتت بالتعذيب، ولكنه أضاف أن المجلس لا يملك أدلة تثبت عكس ذلك، وقد بلغ التكدس في أقسام الشرطة إلى 400 بالمئة، وفي السجون إلى 160 بالمئة، خاصة مع التوسع في عمليات الحبس الاحتياطي، دون النظر إلى ضرورة الإفراج، عن المرضى وكبار السن والطلبة، الذين لم يتورطوا في أعمال عنف.
ولعل أكبر الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى النظام، هي عدم رغبته أصلا، في أي مشاركة شعبية في اتخاذ القرار، والتسويف الواضح في إجراء انتخابات برلمانية، بحجج مختلفة، مرة للتوصل إلى قانون محكم للانتخابات، ومرة أخرى لظروف الصيف، وكان مقررا لها أن تجرى وفقا لخريطة الطريق التي أعلنها في 3 يوليو 2013، خلال ستة شهور، مما يعني أنه قد مر أكثر من عام ونصف، على الموعد المحدد، دون معرفة متى ستتم انتخابات البرلمان القادم؟ فالسيسي نفسه هو من تحدث مؤخرا، عن إجرائها في نهاية هذا العام، والحكومة هي المتسبب الرئيسي في ذلك الفراغ التشريعي، الذي تعيشه مصر منذ حل مجلس الشورى، الذي تولى التشريع في ظل غياب مجلس الشعب في زمن الدكتور محمد مرسي، وقد قام الرئيس السيسي بدور التشريع، بالإضافة إلى مسؤوليته عن رئاسة السلطة التنفيذية، وقام بإصدار 484 قرارا رئاسيا، منها 300 قانون في عام واحد، ووفقا لما قاله رئيس المركز المصري للدراسات والاستشارات البرلمانية رامي محسن، فهذا العدد يفوق ما أصدره أكثر المجالس النيابية في خمس سنوات كاملة، فقد شهدت مصر 9 فصول تشريعية، مدة كل منها خمس سنوات، أكبر فصل تشريعي، شهد إصدار 101 قانون، بمعدل 20 تشريعا في العام الواحد. يضاف إلى ذلك إغلاق ملف الحريات العامة خاصة الصحافية بنفس الحجج السابقة، أن الدولة في حالة حرب مع الإرهاب، والأولوية لما هو أمني، مع إتاحة الفرصة أمام مجموعات إعلامية، تحمل رسالة تحريضية، ولكنها تحظى برعاية النظام.
وبعد هل تستمر الأمور على هذا المنوال، أعتقد أنه من الصعوبة بمكان، خاصة مع شعب يتوق إلى التغيير الحقيقي، وذاق اليسير من ثمراته بعد ثورة يناير 2011.
usama.agag@yahoo.com •