


عدد المقالات 369
ارتبط اسم خالد محيي الدين بلقب (الصاغ الأحمر) الذي أطلقه عليه جمال عبد الناصر، في إشارة لميول محيي الدين اليسارية واهتمامه بالفكر الاشتراكي.. هذا التركيز على يسارية محيي الدين، والذي تعزز بتأسيسه وترؤسه حزب التجمع الوطني التقدمي، طمس الصفحة الأكثر إشراقاً في كتاب هذا السياسي المصري صاحب المسيرة الوطنية الحافلة بالإنجازات، منذ اشتراكه في قيادة مجلس ثورة يوليو حتى رحيله عن الدنيا خلال الأيام القليلة الماضية.. الصفحة الناصعة التي أعني هي انحيازه القاطع لخيار الديمقراطية، برؤية فكرية ثاقبة، ووعي سياسي مبكر؛ فقد اختلف باكراً مع جمال عبد الناصر، الذي فضّل فكرة التنظيم الواحد والتوجه الأحادي بدعوى حشد الجهود لتحقيق التنمية. وأثبتت الأيام بُعد نظر محيي الدين ودقة حدسه السياسي، فقد ضاق التنظيم الواحد على الآراء المتعددة وبحق الجميع في الحريات العامة، فاتسع سجن الإقصاء ليشمل حتى المخلصين للثورة بمن فيهم رئيس مجلس القيادة محمد نجيب، الذي وضع تحت الإقامة الجبرية. لم تكن رؤى محيي الدين رجماً بالغيب، بل كانت تعبيراً عن فهم سياسي متقدم، ومدرك لطبيعة الديمقراطية الرحبة ولخطر ضيق الديكتاتورية، وما يتبعه من تسلط ومن تضخيم للقائد، وخضوع وخنوع له.. لقد فطن محيي الدين منذ ذلك الوقت إلى أن فكرة الإقصاء لا يمكن ترويضها، ويستحيل حصرها وضبطها في دائرة إبعاد العناصر الملكية والرجعية وأعوان الاستعمار، فأعلن بوضوح رفضه قرار مجلس الثورة تعطيل العمل بالدستور، والنكوص عن الوعد بإجراء انتخابات ثم إلغاء التعددية السياسية. ودفع ثمن مواقفه المشهودة إبعاداً عن المجلس ثم نفياً من الوطن. وشهدت مصر فيما بعد صوراً مقيتة ومظاهر قبيحة للتوجه الأحادي، متمثلة في الاعتقال والنفي والتعذيب والتضييق، وارتفعت أصوات الإعلام المنافق الذي يزيّن للحاكم الفرد كل فعل، ويزيف الوقائع ويزور الحقائق، حتى أفاقت مصر على صدمة يونيو. يبدو للبعض أن فكرة الديمقراطية لم تكن في خمسينيات القرن الماضي بالتفوق الذي هي عليه اليوم، وأن مزاياها قد اتضحت بعد أن مرت دول العالم الثالث بتجارب فاشلة من الحكم الأحادي، بعد أن فضّل قادة التحرر نظام الحزب الواحد؛ لكن القراءة في كتاب ثورة يوليو تكشف أن تفوق الخيار الديمقراطي كان واضحاً في تفكير الكثيرين من مؤيدي الثورة، وعلى رأسهم خالد محيي الدين، فظلوا يدفعون المجلس للتمسك بخط تصحيح المسار الديمقراطي، حسب خطة الضباط الأحرار، قبل أن تتمكن منهم أفكار الاستبداد. تثبت تجربة يوليو أن ادعاء ترشيد الديمقراطية أو تصحيح مسارها يفتح الباب نحو مزالق في اتجاه الديكتاتورية والاستبداد، وأن أي ضعف في التجربة الديمقراطية لا يعالج إلا من خلال النظام الديمقراطي نفسه، وما دعاوى الترشيد إلا مقدمة لتدابير ديكتاتورية تختبئ وراء قناع تصحيح المسار الديمقراطي.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...