


عدد المقالات 80
في عُرف الشعراء الحنينُ للوطن؛ حتى لو جار وجفا، وبخل فيه الأقربون، فسيظلون كراماً: بلادي وإن جارتْ عليَّ عزيزةٌ وأهلي وإنْ ضنّوا عليَّ كرامُ لا تصدقوا من يدعي الطمأنينة وهو بلا وطنٍ ولا أهلٍ ولا صحبٍ يبثهم شكواه، ولا سكنٍ يشعر أنه يسكنُه قبل أن يسكنَه!.. ما أروعك يا أبا الطيب حتى في همومك: بِمَ التّعَلّلُ لا أهْلٌ وَلا وَطَنُ وَلا نَديمٌ وَلا كأسٌ وَلا سَكَنُ؟! أثرت الشجون يا أبا الطيب بغموض مقصدك، وتنقلك في البلدان، وكأنك موكّلٌ بفضاء الله تذرعه: يَقُولونَ لي ما أنتَ في كلّ بَلدَةٍ وما تَبتَغي؟ ما أبتَغي جَلّ أن يُسْمى! إنها لوعة الحنين الذي ينسى الأرض كلها ولا يذكر منها إلا موضعاً كان يوماً هو محضن ذكرياته وعذوبته وعذاباته: قد يهون العمرُ إلا ساعة وتهون الأرض إلا موضعا يا أبا الطيب!.. هل أقول إنك تغلغلت في أعماقنا وصورت أمواج حزنها الدفين لما فقدت الأمل في الصديق، وكانت أمرَّ الأمور عندك أنْ ترى الشفاء في الموت، وأن تكون المنايا أغلى الأمنيات؟: كفى بكَ داءً أنْ ترَى الموْتَ شافِيَا وَحَسْبُ المَنَايَا أنْ يكُنّ أمانِيَا تَمَنّيْتَهَا لمّا تَمَنّيْتَ أنْ تَرَى صَديقاً فأعْيَا أوْ عَدُواً مُداجِيَا من تعني بقولك يا أبا الطيب؟!: ضاقَ صَدري وطالَ في طَلبِ الرّزْقِ قيامي وَقَلّ عَنهُ قُعُودِي! ولست أعلمُ هل أضحك من شعر (الجشي) أم أبكي؟: وطنُ المرءِ حيثُما يجدُ الرِّزقَ ويلقى الأمانَ والتقديرا لا تقلْ إخوتي وأهلي وقومي ربما كنتَ بينهم مهجورا وبلادٌ تعيش فيها فقيرا لهي أحرى بأنْ تُسمى قبورا! أم من شعر الشاعر (القروي)؟: دفنتَ ربيعَ عُمرِك في بلادٍ لها طالتْ لياليكَ القِصارُ بلادٌ ربّما فيها كِرامٌ ولكِنَّ اللئامَ بها كِثارُ إذا لمْ تحوِ تربتُها حِجارا فبيْنَ ضلوعِ أهليها الحِجارُ يا شاعر اليمن العظيم، أيها البردوني أجبني: أكتبت هذه الأبيات بدم قلبك أم قلوبنا نحن التي مزقتها عوادي الأيام؟!: غبتُ في الصمت والهموم الضّواري والأماني والذكريات السواري وتغلّفتُ بالوجوم وواريتُ همومي في صمتي المتواري وخنقتُ اللّحونَ في حلق مزماري ** وأغفى على فمي مزماري وانطوت في فمي الأغاني وماتتْ نغمي في حناجر الأوتار وتلاشى شعري ونام شعوري نومة اللّيل فوق صمت القفار وتفانى فنّي ولم يبق إلاّ ذكرياتُ الصدى بشجو ادِّكار وخيالُ النحيب في عودي الباكي وطيف النشيج في أسراري وكأنّي تحت الدياجير قبر جائع في جوانح الصمت عاري وَأنا وحديَ الغريبُ وأهلي عن يميني وإخوتي عن يساري وَأنا في دمي أسيرٌ وفي أرضي شريدٌ مقيّدُ الأفكار!! وجريحُ الإبا قتيلُ الأماني وغريبٌ في أُمّتي ودياري! كلُّ شيءٍ حولي عليَّ غَضوبٌ ناقمٌ من دمي على غير ثار! يا عبدالله.. يا بردوني! وأنا أيضاً: .. خنقتُ اللّحون في حلق مزماري وأغفى على فمي مزماري وانطوت في فمي الأغاني وماتتْ نغمي في حناجر الأوتار قال صاحبي أبو الطيب: وَحيدٌ مِنَ الخُلاّنِ في كلّ بَلْدَةٍ إذا عَظُمَ المَطلُوبُ قَلّ المُساعِدُ! إلى اللقاء.
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...