


عدد المقالات 369
لعل من نافلة القول إن أهم أسباب الاستقرار السياسي اتساع أرضية المشتركات الوطنية، فلا يكون لهامش الاختلاف أثر سلبي يذكر. هذه مقدمة تعني ضمناً أن الاضطراب السياسي في السودان مرده إلى غياب المشروع الوطني المشترك. وهي علة لازمت السودان منذ استقلاله، فكان الشرخ الوطني الأول هو الخلاف حتى حول النظام الديمقراطي. حكم السودان بعد استقلاله بنظام تعددي فامتاز بذلك عن كثير من دول العالم الثالث التي تحررت في ستينيات القرن الماضي وتبنت نظام الحزب الواحد. و لم يكن اعتماد النظام التعددي في السودان لعبقرية تخصه، لكن الواقع السياسي فرض على السياسيين التعددية. فلم يكن في الإمكان أن يفرض الأزهري على الاستقلاليين الانخراط في الحركة الاتحادية كتنظيم وطني أوحد، كما لم يكن ممكنا للسيد عبدالرحمن أن يفرض تنظيماً استقلاليا أوحد.. وهو واقع ذو صلة بثنائية في السودان بين الوسط النيلي والأطراف، وتمظهر في الموقف من الثورة المهدية ثم حكم المهدية ثم تمظهر في التيارين الاتحادي والاستقلالي، ثم كانت الثنائية بين تياري الحداثة والتقليد. كان ذلك التمايز أحد أهم أسباب المماحكة والتلكؤ اللذين أعاقا العملية الديمقراطية، التي كان من الممكن أن تشكل إطاراً للاتفاق، تصطرع داخله القوى السياسية حتى ينضج المشروع الوطني المشترك.. لكن الإطار نفسه كان ضحية للصراع، وذلك حين رفض حزب الأمة الخضوع لقواعد الديمقراطية التي كادت تعيد إسماعيل الأزهري لرئاسة الحكومة، فسلّم رئيس الوزراء عبدالله خليل السلطة للجيش. أتيحت للجيش الاستفادة من الجدلية بين الحريات التي تفقد الوطن اتخاذ القرارات الحاسمة، والحسم الذي قد يجر الوطن إلى قرارات متعجلة. وهو جدل يقاس النجاح فيه بمدى نجاح كل فريق في إضعاف سلبيات أي من الخيارين. وقد نجح النظام العسكري لحد كبير في بلورة ملامح لمشروع وطني اعتمد التنمية برنامجاً، فأقام مشاريع تنموية قد يعطلها العراك الحزبي الذي ينشأ في غير معترك. لكن (ثغرة) الحريات حرمت المشروع التنموي العسكري من الإجماع الوطني المطلوب. بعد ثورة أكتوبر عادت الأحزاب إلى ذات الصراع الخاوي لتفشل ثانية في تقديم مشروع وطني مشترك. ولسوء طالع الأحزاب الكبيرة في السودان جاءت الحقبة الديمقراطية الثانية وقد صعدت أفكار اليسار الذي احتكر لنفسه صفة التقدمية، وبدا اليسار صاحب مشروع وطني تقدمي في مقابل أحزاب (رجعية) عاجزة عن فهم مغزى المشروع الوطني الموحد.. هيأت هذه الأجواء البلاد لانقلاب يساري لم يثبت عند يساريته، وتخبط النميري بين جل التيارات والجهات السياسية حتى أن النميري احتفل بعيد ميلاد لينين وانتهى إماماً للمسلمين. وهذه إشارة كافية للتدليل على عدم كفاءة ذلك النظام لتقديم المشروع الوطني الذي طال انتظاره. كانت المحاولة الأخيرة هي المشروع الإسلامي الذي قدمه نظام الإنقاذ الحالي، وتعددت أسباب عدم الاتفاق عليه، أهمها أن الإسلاميين قد فشلوا في الترويج لفكرتهم أن الدعوة للإسلام السياسي واجب ديني على المسلم. وقد فشلت هذه المحاولة في مجتمعات مسلمة كثيرة رغم محاولات الإسلاميين إضفاء زخم عاطفي على الفكرة. كما أعاق المشروع أيضا ارتباطه بانقلاب عسكري في وقت أصبحت فيه الديمقراطية مبدأ دولياً تجاهر القوى العظمى بحمايته لتجد القوى المعارضة بعداً خارجياً تستقوي به. لم يقف الأمر هذه المرة عند عدم توفر أسباب الإجماع للمشروع الوطني، بل ظهر مشروع مضاد هو مشروع السودان الجديد، الذي لا يقابل المشروع الإسلامي، لكنه يركز على فكرة التمييز السلبي منبهاً إلى تمايز في المجتمع السوداني يجعل لنخب وشرائح فيه حظ الاستئثار بالتنمية والخدمات الشيء الذي خلق التفاوت الواضح بين أهل المركز وأهل الهامش، أو بين الوسط النيلي والأطراف. وبما أن التمييز السلبي القائم على أساس ديني هو الأخطر فقد وجد المشروع الإسلامي الهجوم الأشرس لأنه ينتقص حقوق المواطنة لغير المسلم. يركز المشروع على مظالم وقعت على بعض قطاعات الشعب السوداني. ووجد المشروع أرضية ينطلق منها لظهوره في وقت كان جنوب السودان جزءاً من السودان. ويمكن الاستدلال بمظالم أصابت أهل الجنوب، لكن جون قرنق وظف هذه الحقيقة ليعمم الفكرة وكأن مظالم بذات القدر والخطورة قد مست سودانيين آخرين في أقاليم أخرى غير الجنوب. اعتمد مشروع السودان الجديد (التحريض) وسيلة للكسب السياسي، وهي الوسيلة الأسهل إذا ما قورنت بطريق (التوعية) الشاق. فأثار مشروع الحركة الشعبية نعرات عنصرية، ثم انتقل بمكر ودهاء من تقسيم المجتمع السوداني بين مركز وهامش إلى تلوين المعسكرين بعروبة وأفريقانية وكأن أهل السودان ذوي الأصول الإفريقية ضحايا لظلم ذوي الأصول العربية، ثم امتد هذا المخطط ليمس كل ما هو عربي حتى لم تسلم اللغة العربية نفسها وكأن تمددها لم يكن لقوتها وحيويتها. فهوجمت اللغة العربية التي ربطت بين النوباوي والفوراوي والبجاوي وخلقت إطاراً ثقافياً قومياً. وظهرت دعوات للتفتيت نادت بإحياء اللهجات المحلية تحت شعار ديمقراطية الثقافة.. واعتمدت الحركة الشعبية آلة إعلامية ضخمة أخفت كثيراً من سوءات مشروع (السودان الجديد) حتى أن الفنان الكبير محمد وردي قال في خضم تلك الهوجة إن اللغة العربية دخيلة على السودان. ويعرف أن هذا الفنان كان مغموراً حينما كان محلياً يغني بـ (الرطانة) وما ذاع صيته ولم يصبح قوميا يستمع له كل أهل السودان إلا بعد أن غنى (الطير المهاجر) و (مرحباً يا شوق) وبعد أن قال (حين خطّ المجد في الأرض دروبا.. عزم ترهاقا وإيمان العروبة) ولعل من المصادفات ذات الدلالة أن شاعر الكلمات الأخيرة من الناطقين بلهجة الحلفاويين شأنه شأن (كجراي) الشاعر البجاوي الذي غنى له وردي (ما في داعي) ومحمد الفيتوري صاحب (أصبح الصبح) الذي تمتد جذوره إلى قبيلة المساليت غير العربية. كان مشروع (السودان الجديد) آخر المحاولات الفاشلة لتقديم مشروع وطني جامع. ويبدو من كل التجارب السابقة أن الديمقراطية هي الإطار الرحب الذي يسع كل القوى السياسية فيتجاوز الوطن الصراعات التي تنشب تلقائياً بالإقصاء الملازم للأنظمة الشمولية. وفي داخل هذا الإطار يدار حوار لخلق المشتركات التي لا غنى عنها.. وما أسهل التوصل –نظريا- لهذه المشتركات، لكن الجدية والمسؤولية لا تشترى ولا تستعار.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...