الثلاثاء 1 رمضان / 13 أبريل 2021
 / 
04:31 ص بتوقيت الدوحة

الرّبابُ والشعر

د. زينب المحمود
قد سمعنا كلمة «الربابِ» في قاموس الفصحى، ومنها تسمّى كثيرٌ من بناتِ العرب، وقد أَطلقها العربُ على معشر النساء جميعاً، فهل رأَيتم صورَ الربابِ يوماً في مضمار الشعر؟ فهي حاضرة في كلِّ حبٍّ لا يُرجى وصلُه، وفي كل وعدٍ لا يُرجى وفاؤُه، وفي كلِّ بابٍ لا يُنتظرُ منه النوال، وكلِّ يدٍ لا يُتوقعُ منها العطاء. لقد كان لها حضورٌ غيرُ يسيرٍ تحت العدسات ومحرق الكلمات. وإِليكم ما قاله الحارثُ بنُ حلزّة اليشكري في ذلك:
فلكَم رأَيتُ معاشراً
قد جمّعوا مالاً ووِلدا
وهمُ ربابٌ حائرٌ
لا يُسمِعُ الآذانَ رعدا
إِذاً، نحن أَمام أَقوامٍ كبار الأَحجامِ، صغار الأَحلامِ والأَفهام، تُعجبُ الرائي أَجسامُهم، ولكنهم خُشبٌ مسندة، لا يُجمعون على رأيٍ، ولا يعتصمون بحبلٍ، ولا يستمسكون بعروة وثقى، ولا يهتدون سبيلاً. وكذلك الربابُ الذي استحضرَه الشاعر؛ فهو الغمامُ الأَبيض المشتتُ في السماء، فلا يتلبدُ ولا يتكاثف، ولا هطول ولا سيول، ولا يستبشرُ الناسُ بغوثِه، حتى إِنهم لا يتفيؤون ظلالَه، وهذا يذكّرُنا بصورة أُخرى يقدمُها لنا كثيّرُ عَزّةَ، يشكو بثّه وحزنَه من عشيقته ومواعيدِها، ومحصولِ عشقها الوهميِّ، وعذابِه الذي يذهبُ سدًى معها:
وإِني وَتِهيامي بِعَزَّةَ بعْدما
تخلّيتُ مِمّا بيْننا وتخلَّتِ
لكالمُرتجي ظلَّ الرّبَابة كُلَّما
تبوَّأَ منها للمقيلِ اضمحلَّتِ
ما أَروعَ ما صوّر الشاعرُ حرمانَه وعذابَه وتنكّرَ حبيبتِه له، فما يُرجّي من هواها وطيبِ وصالِها وسعادتِه بها ونوالهِ منها إلا كما يرجّي عابرُ سبيلٍ من حُسنِ مَقيلٍ، في ظلِّ ربابة لا يكاد يريحُ بفيئها حتى تتحولَ عنه إِلى غيره، أَو تنقشعَ وتتبددَ هباءً في كبد السماء، وكذلك هي أَحوالُ الشعراء مع معشرِ النساء، جهام ولا غمام، ورباب ولا سحاب.

اقرأ ايضا

ما زال صغيراً

19 مارس 2017

كن ظافراً

24 يونيو 2018

مفاتيح المعرفة

14 يوليو 2019

عالم البوتقة

07 مايو 2017

لحظات الإبداع

03 فبراير 2019

نونيّة الرندي

01 مارس 2020