هل جاء زمن الحل؟ 2-2
10 يناير 2015 , 07:26ص
توقفنا في مقال الخميس الماضي، عند مراحل العلاقات المصرية السورية، والتي شهدت أجواء أزمة بين الجانبين، في زمن الدكتور محمد مرسي، ولكن الأوضاع اختلفت الأوضاع تماماً بعد 3 يوليو 2013، وأزاحه الدكتور مرسي عن الحكم، صحيح أن مصر كانت منشغلة بترتيب، أوضاعها الداخلية المتأزمة، ولكن لغة الخطاب والسلوك السياسي المصري، تجاه الأوضاع في سوريا تبدل تماماً، وقد بدأت ملامح «شهر عسل» بين الجانبين، وإن كان الإقبال أكبر من الجانب السوري، بفعل حاجته إلى أي ظهير سياسي عربي، في ظل مقاطعة شاملة، خاصة من دول الخليج، فما بالك إذا كان ذلك الظهير هو مصر، وقد ساعدت ظروف البلدين، في ذلك التقارب، فهما معا على سبيل المثال، لا الحصر يرفعان شعار مكافحة الإرهاب، وقد كشف بشار الأسد، في خطابه لكوادر حزب البعث في طرطوس، في نهاية شهر نوفمبر الماضي، وفقا لما نشرته إحدى الصحف اللبنانية، عن تطور نوعي في العلاقات بين البلدين، بعد قدوم الرئيس عبدالفتاح السيسي، خاصة على مستوى الأجهزة الأمنية. وقال إن الدور المصري إيجابي، وهي تحاول أن تلعب دور الوساطة، ولكن ذلك يستلزم علاقة جيدة بالطرفين، وقال الأسد وفقا للصحيفة: «إن مجيء السيسي والضربات التي وجهها إلى الإخوان المسلمين جعلت التقارب كبيرا». وعلى نفس المستوى، سار وزير الإعلام السوري عمران الزعبي، الذي وصف مصر في حوار تلفزيوني، بأنها دولة مؤثرة في العالم العربي، وعندما تكون مصر وسوريا في أفضل العلاقات بينهما، تكون الأمة العربية بخير. والعكس صحيح، وقال الوزير إن السوريين تاريخيا، كانوا حريصون على مصر، ويتمنون أن تلعب دورا بارزا في تاريخ الأمة العربية، وحتى يكون لها دور في معالجة الأزمة السورية، يجب أن يكون لها علاقات، كاملة ومميزة مع الدولة السورية، وليس فقط مع مجموعة من المعارضة، معتبرا أن العلاقات القنصلية، لا تعبر عن تاريخ البلدين المشرف.
ويمكن تحديد عناصر الموقف المصري من الأزمة السورية، وفقا لما تعلنه الخارجية المصرية، وآخرها بعد اللقاءات مع وفود من المعارضة السورية بشقيها، الائتلاف الوطني السوري، وهيئة التنسيق الوطني للتغيير الديمقراطي، والتي تمت خلال الأسبوعين الماضيين، سواء مع وزير الخارجية المصري سامح شكري، أو الدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية، تتلخص وقف سفك الدماء، والوصول إلى حل سلمي للأزمة، والسعي إلى إنجاح أي جهد دولي أو إقليمي للحل، عبر الأعداد له وبشكل جدي وعملي، إذا فليس هناك مبادرة مصرية بالمعنى المتعارف عليه، ولكن محاولة إيجاد أرضية مشتركة، للجمع بين أطياف المعارضة السورية، وعقد لقاءات بينها في القاهرة، قد يكون تحت مظلة الجامعة، ولا يوجد كما قال المهندس هادي البحرة رئيس الائتلاف أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة منذ أقل من أسبوعين قبل تركه موقعه بنود محددة، تحاول فرضها على أطراف المعارضة، ولا يوجد توجه معين لأي تشكيل جديد للمعارضة، وهي بذلك تهيئ للمعارضة مناخا للخوض في عمليات الحوار، التي انطلقت دون أي تدخلات من أي طرف.
وقد لا يبدو أمر تلك اللقاءات جديدا، فهناك رغبة من كل الأطراف، بما فيهم الائتلاف والهيئة التنسيقية، في التوصل إلى صيغة موحدة للعمل، في المرحلة القادمة، تحاول تقليل الفجوة والبحث عن المشترك في الرؤى، خاصة مع تمتع الائتلاف باعتراف عربي من الجامعة العربية وقرار قمة الكويت بالسماح له بالمشاركة في اجتماعات الجامعة العربية، كحالة استثنائية، أخذا في الاعتبار بأن القرار لا يرتب على تلك المشاركة التزامات تمس القرار السيادي لكل دولة، بينما الوضع مختلف إلى حد ما مع التنسيقية، الحريصة على المعارضة من الداخل، ولم يعد سرا أن هناك استعدادات لإصدار إعلان للمعارضة من القاهرة، قد يسبق اجتماعات موسكو بينها وبين النظام، تتضمن تلك الرؤية المشتركة وتظهر التوافق حول أن أساس الحل السياسي للأزمة، يكمن في بيان جنيف الصادر في 30 يونيو 2012، وقرارات مجلس الأمن، كما تم التوافق على بيان المبادئ الأساسية للتسوية السياسية، والمقدم إلى مؤتمر جنيف2، من الائتلاف الوطني وخريطة الطريق لإنقاذ سوريا والتي سبق للمعارضة أن أقرتها.
ويبدو الطريق طويلا أمام الحل، «فالشياطين تكمن في التفاصيل»، وإذا كان لقاء المعارضة في القاهرة بجهد مصري سهلا ميسورا باعتبارها ليست المرة الأولى، فإن الأزمة في مؤتمر موسكو، رغم الإعلان عن موعد عقده في 26 إلى 29 الشهر الحالي فما زالت تواجهه عقبات، منها ما هو شكلي، من قبيل اعتراض العديد من قوى المعارضة على أسلوب الدعوة، الذي يتعامل مع المعارضة كأفراد وليس ككيانات معترف بها، ولها وجودها على الساحة، فقد تم توجيه الدعوة إلى خمسة من قادة الائتلاف دون أن يترك له تحديد من يمثله، بالإضافة إلى الاعتراضات الموضوعية، ومنها تحفظ المعارضة على أن يكون اللقاء كما لو كان جنيف3، بل هناك ضرورة لكي يمهد اللقاء بين المعارضة والنظام لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين تمهيدا للحل التفاوضي، كما أن الرؤية الروسية تتسم بالعمومية، دون الإشارة حتى إلى مبادئ عامة من قبيل أن روسيا مع وحدة الأراضي السورية والإعلان عن تضامنها مع آلاف الشهداء والضحايا، وضرورة وقف نزيف الدم، وإدانة الإرهاب في سوريا والمنطقة، وأن حل الأزمة مرتبط بالسوريين أنفسهم.
كما أن هناك مشكلات أخرى تواجه عملية الحل، ومنها ضرورة وجود توافق دولي وإقليمي وعربي، على الحل النهائي، فما زال هناك تحفظات دولية، على الدور الروسي، ومخاوف من أهدافه من طرح تلك المبادرة، خاصة أن الروس بدعمهم لنظام بشار هم جزء من الأزمة، ومن الصعوبة أن يكونوا طرفا في الحل، كما أن دور بشار الأسد في المرحلة القادمة، أحد أهم العقبات أمام أي تسوية، خاصة أن موسكو ومعها إيران، تتعامل مع بشار كخط أحمر، ولا يمكن التخلي عنه، كما أن كثيرا من الدول العربية، خاصة الخليجية، ومعها إلى حد كبير تركيا، تجد من الصعوبة بمكان قبول فكرة أن يكون هناك أي دور للأسد في سوريا المستقبل، بعد كل بحور الدم التي سالت في سوريا خلال السنوات الماضية، والمعارضة تتمسك بأن يتم تشكيل هيئة حكم أو حكومة انتقالية لديها صلاحيات تنفيذية كاملة، لوضع دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، ووضع مجموعة من القوانين الخاصة بالأحزاب والانتخابات.
والأيام القادمة مليئة بالمفاجآت خاصة أن هذا الشهر قد يشهد قمة مصرية روسية بالقاهرة بزيارة بوتن للعاصمة المصرية، كما تؤكد بعض المؤشرات على أن هناك جهدا مصريا باتجاه دول الخليج، لتعويم بشار الأسد، والبحث عن آلية تمكنه من الاستمرار على أساس دوره في مواجهة الإرهاب.
usama.agag@yahoo.com •