alsharq

عادل إبراهيم حمد

عدد المقالات 369

الحداثة.. شعار للافتراء

09 أغسطس 2014 , 05:28ص
الحداثة هي الشعار الذي يرفعه مثقفون كثر في مقابل التقليد، لكنه شعار بلا معنى واضح ولا مضمون، ينطلق أصحابه من موقف سلبي برفض الكيانات التقليدية مثل القبيلة والطائفة بدون تقديم تصور للدولة الحديثة؛ ولذا ألصقوا صفة التقليدية بأحزاب كبيرة مثل الأمة والاتحادي نسبة لتحالف الحزبين المذكورين مع طائفتين دينيتين، ثم سارعوا بتكوين أحزاب بديلة لم تنل من الحداثة سوى قشرتها مثل الاهتمام بالدرجات العلمية لقيادات الحزب الحديث؛ اكتفاء الأحزاب التي تدعي الحداثة برفض الطائفية جعلها في موقف سلبي؛ حيث اكتفت بنفي الطائفية عن نفسها بدون أن تلحق بنفسها صفات حداثة تخصها، وظلوا يهتمون بإبراز عيوب غيرهم من التقليديين والتندر بهم وإطلاق أوصاف تهكمية مثل أحزاب الإشارة، وكوادر (الجربندية) وغيرها من أوصاف برع فيها إعلام الحداثيين..

الفيصل بين الفريقين هو المحك العملي المتمثل في إدارة الدولة، فقد وصلت كل القوى السياسية السودانية تقليدية كانت أو حديثة إلى السلطة. وكانت المفارقة أن القوى المسماة بالتقليدية قد تفوقت بكثير على الحداثين في الالتزام بأسس الدولة الحديثة: من فصل للسلطات واستقالية للقضاء وسيادة حكم القانون والشفافية وقومية القوات النظامية وحيادية الخدمة المدنية. تفسير هذه الحالة هو أن الكتل المسماة بالصماء عند الحداثيين تجعل الأحزاب التقليدية مسنودة بثقل جماهيري يمكنها من الوصول للسلطة عبر صناديق الاقتراع، وعليه فإن هذه الأحزاب لا تخشى الديمقراطية ومرتكزاتها المذكورة آنفًا، بينما يفتقر الحداثيون للسند الجماهيري فيضطرون لانقلاب العسكري وما يعقبه من تضييق على الحريات وتسييس للخدمة المدنية والقضاء والقوات النظامية، لذا ترتبط عهودهم بوأد الحريات بينما تنجح الأحزاب التقليدية في الاختبار الديمقراطي.. وثمة ملاحظة أخرى جديرة بالاهتمام هي أن صفة التقليدية غير دقيقة، فهذه الأحزاب عبارة عن تحالف بن قوى حديثة وقوى تقليدية، وعادة ما تقدم الأحزاب التقليدية كوادرها المثقفة لإدارة الدولة التي لن يديرها بطبيعة الحال (دراويش) كما يوحي الحداثيون.. صيغة التحالف بن قوى حديثة وتقليدية هي الأنسب مراعاتها التركيبة الاجتماعية في السودان، ولم يفرض التحالف تراجع القوى الحديثة للصفوف الخلفية ليحل محلها تقليديون يكتفون بتقديس السادة وطاعة الإشارة؛ فقدمت الحركة الاتحادية المتحالفة مع طائفة الختمية مبارك زروق وخضر حمد ونصر الدين السيد وعبدالماجد أبوحسبو وأحمد السيد حمد وغيرهم. ولم يقدم الإمام عبدالرحمن أنصاره لإدارة الدولة، بل قدم حلفاءه الحداثيين في الحركة الاستقالية، عبدالله خليل ومحمد أحمد محجوب وإبراهيم أحمد وعبدالرحمن علي طه وغيرهم.. ورغم هذه الحقائق الدامغة أفلح مدعو الحداثة في وصم هذه الأحزاب التي تقودها قوى حديثة والتي نجحت في إرساء قواعد قوية للديمقراطية، أفلحوا في وصمها بالطائفية، وأوهموا قطاعات عريضة بقشور حداثية مثل حشد حملة الدكتوراه في قيادة الحزب الحديث، وروجوا لدعاوى كاذبة وحكاوي فارغة عن تقبيل أيدي السادة وأشبار في الجنة، وكأن مبارك زروق كان ينتظر من السيد علي اميرغني شفاعة يوم القيامة، وكأن عبدالرحمن علي طه كان ينتظر شبرًا في الجنة يمنحه إياه الإمام عبدالرحمن المهدي.

قوى الحداثة التي اختبأت وراء هذا الشعار البرّاق، فشلت -سواء أكانت في اليمن أو اليسار- في اامحافظة على أركان الدولة الحديثة، ولنأخذ مثال التسييس الذي شوه به الحداثيون الخدمة المدنية والقضاء والقوات النظامية بل والتعليم؛ حيث لم يحتمل الشيوعيون علماء في قامة عبدالله الطيب والنذير دفع الله في جامعة الخرطوم، فطردوا تحت شعار التطهير، وفي عهد الحركة الإسامية تم طرد الكوادر المؤهلة تحت شعار التمكن، وأسند الأمر لغير أهله حتى في المجالات التي تتطلب معارف وخبرات فنية بحتة لا علاقة لها بالسياسة، وغابت حتى الضوابط البدهية فى الإدارة المالية، فألغى أورنيك (15) وعطل ديوان المراجع العام.. فوضى لا ينحدر إليها (عمدة) من رموز التقليد، ويقع فيها بروفيسور من أعلام الحداثة!

الحزب من مؤسسات المجتمع الحديث وهو طور متقدم على القبيلة والطائفة، لكن للحزب استحقاقاته وإلا أصبح متخلفًا عن مؤسسات التقليد كما ثبت بالدليل العملي في تجربة السودان السياسية.. والجيش النظامي من مؤسسات الحداثة، لكن في إطار أدوار متكاملة بن كل مؤسسات الدولة الحديثة بحيث تضطلع كل مؤسسة بدورها، بلا زيادة أو نقصان.. كلمة السر في كل هذه الحكاية العجيبة هي الديمقراطية.

aim.hamad@yahoo.com

الوصفة السياسية

الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...

موكب 30 يونيو اختبار للديمقراطية في السودان

دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...

قوى الثورة السودانية في تحالفات جديدة

دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....

هيبة الدولة لوقف النزاعات القبلية

إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...

الوجود الأجنبي والسيادة الوطنية

يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...

ظاهرة حميدتي

إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...

أين تضيع جهود الأحزاب السودانية؟

بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...

سد النهضة وضرورة توازن المصالح

تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...

«كورونا» وسنن الله في الكون

ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...

ملف السلام والمسارات الجهوية

شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...

الديمقراطية تُسقط هذه الذرائع

في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...

ضرورة التمييز بين النظام والحكومة

عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...