السير عكس الاتجاه!! (1-2)
09 يوليو 2015 , 04:20ص
«خلوا بالكم من بلادكم» تعبير قاله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي منذ أشهر واستعاده عدد من الإعلاميين بعد أحداث تونس والكويت في مجال الفخر بالتحذير السابق من السيسي للدول العربية من ظاهرة الإرهاب والرؤية المستقبلية له والنصيحة الأخوية، ولم تمر سوى أيام معدودات حتى استيقظت مصر على صدى عمليات إرهابية نوعية وغير مسبوقة امتدت جغرافيا من قلب العاصمة المصرية القاهرة إلى الحدود في مدينة الشيخ زويد في شبه جزيرة سيناء، ومن حيث الأهداف اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات وهو المسؤول الأبرز الذي يتم استهدافه من تنظيمات إرهابية وتنجح، والثانية محاولة السيطرة على مدينة الشيخ زويد من قبل تنظيم الدولة الإسلامية داعش ودخول قوات الجيش في معارك امتدت ساعات طويلة وصفها رئيس الوزراء المصري المهندس إبراهيم محلب بأنها حالة حرب حقيقية.
الأحداث أكدت أن كل الدول العربية من دون استثناء تعيش حالة خطر حقيقية من التمدد السرطاني لهذا التنظيم الذي يزداد قوة وقدرة رغم مرور أشهر فقط على تواجده على الساحة في العديد من الدول العربية.
ويهمنا في البداية التأكيد على اتفاقي مع كثيرين في توصيف الحالة التي تمر بها مصر وبقية الدول العربية وهي أنها تتعرض لإرهاب حقيقي مجرم ومدان ويهدد أسس الدولة الوطنية في أرجاء الوطن العربي، ويطرح نفسه بديلا على أنقاض دول استقرت حدودها جغرافيا منذ بداية القرن الماضي، ويكفي للتدليل على ذلك ما يقوم به التنظيم في كل من العراق وسوريا أو حتى لليمن، كما اتفق مع الكثيرين في دعم الجيش المصري الذي يمثل «عمود الخيمة» في مواجهته للإرهاب في سيناء، ولكني أختلف ومعي كثيرون أيضا حول كل شيء فيما يخص التجربة المصرية في التعامل مع هذا الخطر وتحديد حجمه وأبعاده وآليات المواجهة، خاصة أن لها سمات مختلفة وتتقاطع مع معالجات دول أخرى تعرضت لهجمات إرهابية خلال الفترة القصيرة الماضية من استهداف مساجد الشيعة في السعودية والكويت والزيدية في اليمن في محاولة مفضوحة للعب بورقة الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة أو السعي إلى ضرب الأسس الاقتصادية للدولة ذاتها كما هو الحال في حادثة سوسة في تونس التي أثرت ولفترة ليست قصيرة على السياحة التي تمثل المورد الرئيسي في اقتصاد معتل يعاني من مشاكل المرحلة الانتقالية والممتدة منذ سنوات، أو استثمار حالة السيولة والانقسامات الداخلية للنفاذ منها كما هو الحال في العراق وسوريا، ويضاف إليهم ليبيا، حيث استطاع التنظيم استغلال الصراع المحتدم بين برلمان طبرق وحكومة طرابلس ليتقدم من إمارة درنة إلى مدينة سرت ويحاول الوصول إلى بنغازي.
وقد كشفت الأيام الماضية عن نوعية معالجات مختلفة لخطر داعش في الدول العربية التي شهدت عمليات إرهابية للتنظيم النموذج الكويتي والسعودي اتخذ مسارين، الأول تفويت الفرصة على مخطط الفتنة المذهبية بتأكيد الدولة وعلى أعلى مستوى من خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز وأمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح على التمسك بالوحدة الوطنية، واعتبار الكل أبناء وطن واحد، والشيعة جزء من النسيج الاجتماعي لكل من الكويت والسعودية لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، بالإضافة إلى الإجراءات الأمنية التي يحددها القانون، أما في تونس فنظرا لأنها لا تعاني من تمايز طائفي فقد لجأ الرئيس الباجي السبسي إلى إجراء استثنائي بإعلان حالة الطوارئ ولفترة محددة بشهر واحد للسعي إلى التعامل مع تنظيم أنصار الشريعة الذي بايع أبوبكر البغدادي والقضاء على الإرهاب في تونس.
أما في مصر فالأمر جد مختلف ويجسد حقيقة الأزمة التي تعيشها في العامين الأخيرين حيث تمارس لعبة خلط الأوراق بشكل مكثف وبمشاركة الدولة وكل أذرعها الإعلامية وغيرها. فعلى الرغم من الوضوح التام في تحديد العدو خاصة أنه لا يخفي نفسه بل يفاخر بما يقوم به في بيانات وشرائط على وسائل التواصل الاجتماعي وهو تنظيم أنصار بيت المقدس إلا أن الدولة ترغب في توظيف كل ما يحدث في معركتها مع الإسلام السياسي وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين ونحن هنا لا ندافع عن أحد فهم أقدر مني على تلك المهمة، بل نرصد واقعا معيشا في مسعى لتصحيحه لصالح أمن واستقرار مصر وخروجها من أجواء الأزمة التي تعيشها منذ عدة سنوات وزادت حدتها في العامين الأخيرين والأمثلة مما حدث خلال الأسبوع الماضي خير شاهد.
يتم اغتيال النائب العام في قلب القاهرة في عملية نوعية ووصل إلى درجة أن البعض شبهها بحادث اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري من خلال نوعية المتفجرات المستخدمة ودقة التفجير الذي استهدف شخص النائب العام، وبدلا من أن يتم تكثيف الجهود الأمنية لكشف أبعاد الجريمة ومكامن الخلل الواضح وتحديد المسؤولية عنه، وفي المقدمة عدم توفير الحماية الكافية للرجل وغياب أي معلومات، نجد الدولة تلجأ إلى الحلول السهلة وهي اتهام من هم وراء السجون وفي المعتقلات بأنهم من أعطوا الأوامر وأصدروا التعليمات للتنفيذ ويتم تضخيم صورة مبهمة لا تعني شيئا في التأكيد على تورط الدكتور محمد مرسي في العملية، رغم أن بعض الخبراء تحدثوا عن أن المواد المتفجرة التي تم استخدامها في الحادث لا يملكها سوى إسرائيل ومن قبلها أميركا، كما أن أي جهة لم تعلن حتى الآن مسؤوليتها عن الحادث في صمت مريب يزيد من التساؤلات والألغاز التي أحاطت بالحادث، ولم تقدم أي جهة إجابة شافية عنها خاصة أن الوحيد الذي لقي حتفه هو النائب العام، بينما الحرس الخاص والسائق أصيبا إصابات طفيفة بالإضافة إلى غياب الحراسة المناسبة للرجل وتنفيذ العملية بسهولة ويسر في منطقة من أهم مناطق مصر الجديدة.
الأخطر من ذلك استثمار الحادث في إقرار قوانين كانت في الأدراج أو تم إعدادها بسرعة متناهية تهدم وتغير المنظومة القضائية في مصر وهي المستقرة منذ عشرات السنين في إهدار حق المتهم -أي متهم- في درجات محددة للتقاضي كان المقصود منها تحقيق أقصى درجات العدالة وعلى أكثر من مستوى في سبيل تحقيق ما يسمى «بالعدالة الناجزة» بالإضافة إلى مواد مطاطة وغير محددة تقيد الحريات ويتم استخدامها ضد أي معارضة من أي نوع مما استدعى اعتراض وتحفظ جهات عديدة على أساس أن التعديلات التي تمت في القانون رقم ٩٧ لسنة ١٩٩٢ والتي تضمنها قانون العقوبات كافية وتم استخدامها في كل قضايا الإرهاب في تسعينيات القرن الماضي، وكانت رادعة بما فيه الكفاية دون أن يتم التخلي عن مكاسب مهمة ومنها إلغاء محاكم أمن الدولة العليا طوارئ، ومن هذه الجهات مجلس القضاء الأعلى الذي أعاد قانون الإرهاب من جديد للحكومة بعد تحفظه على العديد من المواد واعتبرها البعض ومنهم من هو قريب للنظام من الحقوقيين أن القانون سيكون انتقاميا وليس إجرائيا، وقال الفقيه الدستوري والقانوني محمد نور فرحات بأنه لا يحق للرئيس إصدار قانون مخالف للدستور بدعوى حماية أمن الوطن ومنها أيضاً نقابة الصحافيين التي اعتبر نقيبها يحيى قلاش أن القانون يخدم الإرهاب ولا يكافحه كما أن المواد الخاصة بالإعلام كارثية فهي تحول الصحف إلى نشرات حكومية، كما أعادت الحبس في قضايا النشر في مخالفة واضحة لمواد الدستور.
في المقال القادم نستكمل كيف تعاملت الحكومة المصرية مع الحادث الإرهابي الأهم في سيناء.
usama.agag@yahoo.com •