مملكة تتغير..!!
09 مايو 2015 , 02:18ص
لم يكن في الأمر مفاجأة للمتابعين للشأن السعودي، فنحن أمام مملكة تدرك أنها أمام مجموعة من الاستحقاقات، تتناسب مع قدرتها ودورها المحوري، على الصعيد الإقليمي والعربي والإسلامي، وأنها قادرة على التعاطي مع تلك التحديات والظروف. وكانت البداية في تجديد شباب القيادة السعودية، والدفع بدماء جديدة في شرايين دوائر صنع القرار، والسعي إلى تصدر المشهد السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي، من أثبت جدارته، وحقق نجاحات في مجال عمله. وعندما أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في بداية توليه المهمة منذ عدة أشهر قليلة 37 مرسوما ملكيا، قلنا يومها إن مستقبل المملكة مرهون بالمحمدين نايف وسلمان، فالأول، الأمير محمد بن نايف تولى يومها مهمة ولي ولي العهد في المملكة، بالإضافة إلى وزارة الداخلية ومسؤولية المجلس الخاص بالشؤون الأمنية والسياسية، والثاني الأمير محمد بن سلمان تم تعيينه وزيرا للدفاع، بالإضافة إلى تولي مسؤولية المجلس الخاص بالشؤون الاقتصادية والتنموية. لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فكانت التشكيلة الوزارية التي تم الإعلان عنها، يغلب عليها الشباب، بما يتناسب مع حقيقة مهمة أن الشباب في المملكة يمثلون 65 بالمائة من عدد السكان، فكان من المنطقي أن يصبح متوسط أعمار الوزراء الجدد الـ50 عاما، بل إن هناك منهم ما زال في الثلاثينيات، وبعضهم في الأربعينيات والخمسينيات، وتم الإبقاء على أعداد محدودة من أصحاب الخبرات المتراكمة، وفي مجالات محددة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، فقد تعزز بـ25 أمرا ملكيا جديدا صدرت منذ أيام قليلة، حيث تم الدفع بالأمير محمد بن نايف لولاية العهد، بعد طلب الأمير مقرن إعفاءه من منصبه، وأصبح الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد. والقراءة المتأنية لما حدث خلال الأشهر الثلاثة الماضية في المملكة العربية السعودية، يمكنه بسهولة التوقف عند التأثيرات الاستراتيجية لتلك التغييرات، فقد نجحت القيادة السعودية في عدد من المهام العاجلة، ومنها:
أولا: إعادة ترتيب بيت الحكم السعودي، والانتهاء من عملية انتقال السلطة، من أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز إلى الأحفاد، بصورة سلسلة، وبدون أي مشاكل. ولعل المشهد الخاص بتقديم البيعة لكل من الأميرين محمد بن نايف ومحمد بن سلمان بمشاركة واسعة من الأمراء وأفراد الشعب، أعطى رسالة للعالم بأنه أمام مملكة مستقرة، تجدد شبابها وفقا للأعراف المتفق عليها، وعدم صحة كل ما يروج له من وجود صراعات بين أجنحة داخل الأسرة المالكة السعودية.
ثانيا: إعادة ترتيب الأولويات وترميم علاقات السعودية بدوائرها التقليدية على أكثر من مستوى، والبدء في ذلك بالبيت الخليجي، وإنهاء أي أزمات أو تناقضات داخله، وعدم السماح بعودة أو وصول الخلافات بين دول الخليج إلى المستوى الذي شهدته في منتصف العام الماضي، والتي تم اعتبارها سحابة صيف وانتهت، وأزمة لن تعود أبدا. أما على الصعيد الإقليمي، فقد سعت المملكة إلى إعادة ترتيب البيت السني، في إطار السعي إلى مواجهة الأطماع الإيرانية ومخططاتها لمد نفوذها في المنطقة، والتأثير ومحاصرة المملكة العربية السعودية من الشمال والجنوب، بالتواجد في دول مفصلية مثل العراق وسوريا ولبنان، وأخيرا اليمن. ولهذا فقد أعادت القيادة الجديدة الدفء إلى العلاقات السعودية التركية، مع ضبط علاقاتها بالقاهرة، في محاولة لمنع أي تناقضات حول بعض السياسات، وتأثيرها على الأهداف الحيوية والاستراتيجية التي تجمع كل دول المحور السني، دون الانجرار إلى صراع طائفي، على أساس أن الخلاف مع إيران هو بالأساس سياسي، يتعلق بمخططات توسعية إيرانية، ولا علاقة له بقضية السنة أو الشيعة.
ثالثا: عودة العلاقات الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن إلى سابق عهدها، بعد توتر كان هو السائد طوال السنوات الأخيرة حول العديد من الملفات، في مقدمتها القضية الفلسطينية، وعدم وفاء واشنطن بوعودها الخاصة بإيجاد حل عادل ودائم للأزمة، وكذلك الملف السوري، في ظل تلكؤ أميركي وعدم التعامل بالجدية الكافية لدعم آمال وتطلعات الشعب السوري، أو القيام بدور فعال باتجاه إسقاط نظام الأسد.
ناهيك عن التقارب الأميركي الإيراني، وكانت واشنطن صاحبة الخطوة الأولى في سبيل إعادة تمتين تلك العلاقات، من خلال حرص أوباما على قطع رحلته إلى الهند والذهاب إلى الرياض، لتقديم واجب العزاء، يرافقه وفد يضم 30 من كبار قيادات الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ومسؤولين سابقين بعضهم ما زال يتمتع بعلاقات وثيقة مع الرياض، مثل جون ماكين وجيمس بيكر وكوندليزا رايس، والتصريحات التي صدرت عن كبار المسؤولين تؤكد مدى اليقين بالأهمية القصوى للعلاقات بين الطرفين، والتعويل على المملكة «كواحة استقرار في شرق أوسط، يبدو فيه كل شيء ينهار»، كما قال بيكر. أو «كحصن منيع أمام مساعي إيران لبسط نفوذها في المنطقة»، كما قال ماكين. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد كان تعيين عادل الجبير في منصب وزير الخارجية بعد تنحي الأمير سعود الفيصل لظروفه الصحية، رسالة لا تخطئها العين، بتعويل الرياض على العلاقات مع واشنطن، خاصة أن الوزير الجديد أبلي بلاء حسنا طوال فترة عمله في واشنطن، حتى قبل أن يكون سفيرا لبلاده في العاصمة الأميركية. وكانت محصلة ذلك كله، هذا النجاح الباهر في أول اختبار للقيادات الشابة في المملكة، من خلال فهم والتوقف عند نتائج عاصفة الحزم، والتي شكلت مؤشرا لما تسير عليه الأمور في المراحل القادمة، في آلية وسرعة اتخاذ القرار، بعد دراسته بشكل متأنّ، والتعامل مع التهديدات والتحديات التي تواجه المملكة بالحسم اللازم، والتي أثبتت القيادة الجديدة قدرتها على تشكيل تحالف عربي، القاسم المشترك فيه علاقات أفراده بالسعودية، وضم دول محورية مثل مصر ودول الخليج والمغرب والأردن والسودان، وفي زمن قياسي، يضاف إلى ذلك الرسائل التي بعثت بها القيادة الجديدة لمن يعنيه الأمر في واشنطن، ومضمونها أن المملكة لن يوقفها أحد ولن تنتظر إذنا من أحد للدفاع عن أمنها وأمن المنطقة، ولن تقبل بأن تكون ثمنا في أي صفقات بين الغرب وإيران. أما الرسالة السعودية لطهران فكانت واضحة وصريحة وتقول: «كفى» لن نقبل باستمرار مخططات استهداف المنطقة، أو تمرير المساعي الخاصة بالهيمنة، أو السيطرة على مفاصل عدد من الدول العربية، بعد كل ما جرى في العراق وسوريا ولبنان، وأن اليمن يمثل خطا أحمر، وقضية أمن قومي ليس للسعودية فقط، ولكن لكل دول الخليج، وأن الرياض مستعدة لكافة التطورات، وقادرة على تحمل كافة تبعات عمليات عاصفة الحزم العسكرية، والتي ترافقت مع طرح سياسي، ما زال يمثل أساس الحل في اليمن، من خلال حوار يجمع كل الأطراف وألوان الطيف السياسي، للبحث في عودة الشرعية إلى اليمن. وبعد، فالسعودية الشابة المتجددة، على أعتاب عهد جديد، تستعيد فيه قيادة المنطقة.
usama.agag@yahoo.com •