ترتيب البيت العربي الإسلامي
09 يناير 2016 , 01:36ص
الأزمة الأخيرة في العلاقات السعودية الإيرانية، قد تكون هي الأشد فقد شهدت قرارا من الرياض بقطعها، ولكن أحداث التاريخ تقول والوقائع تؤكد بأن سنوات الهدوء في العلاقات السعودية الإيرانية محدودة قليلة، خلال الحقب السنوات الماضية، وتحديدا منذ قيام الثورة الإيرانية في عام 1979، رغم توالي الرؤساء بل إنها بدأت بمرحلة تأزم، استمرت بعدها حتى عام 1989، عندما كان شعار المؤسسة الدينية في إيران هو تصدير الثورة، وشهدت تلك الفترة مواجهة خطيرة بعد محاولات حجاج إيران إفساد موسم الحج والقيام بتظاهرات في العام 1978، وسقط عدد منهم في مواجهات مع الشرطة السعودية، هدأت الأمور قليلا بعد تولي هاشمي رافسنجاني الرئاسة طوال ثماني سنوات كاملة، واستطاع الرجل إقامة علاقات قوية مع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، ولم يختلف الأمر كثيرا بل تطور إلى الأمام في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، والأمر لم يقتصر على السعودية فقط، ولكن على مجمل العلاقات العربية الإيرانية، ولكنها عادت إلى الانتكاسة من جديد في عهد المتشدد أحمدي نجاد، ورغم ما رافق تولي الرئيس حسن روحاني من تفاؤل كبير في إمكانية تعديل السياسات الإيرانية، إلا أن الأزمة الأخيرة وقبلها أزمة وفيات بعد الحجاج الإيرانيين في مني تؤكد العكس مع الوضع في الاعتبار أن كل الرؤساء سواء من يطلق عليهم إصلاحيين أو متشددين، ملتزمون بالأهداف الاستراتيجية لإيران، ومرتبطون بالمؤسسة الدينية صاحبة الرأي الأول والأخير في الشئون الداخلية والخارجية، وأن التمايز هو تعديل في الأساليب والسياسات مع التمسك بالاستراتيجيات والأهداف والمصالح العليا لإيران.
ولعل توابع هذه الأزمة أنها أخذت أبعادا أكبر خاصة مع توالي القرارات السعودية بوقف التعاون الاقتصادي وحركة السفر بين البلدين، باستثناء رحلات العمرة والحج، كما أنها خرجت من إطار دولتين، وخلقت حالة اصطفاف واضح وصريح بين طرفي الأزمة، إيران أرادته اصطفافا طائفيا والسعودية نجحت في تكوينه سياسيا، الأول تم التعبير عنه بأشكال مختلفة ومتنوعة، مستخدمة في ذلك مجموعات لم يعد خافيا على أحد أنها جزء من المخطط الإيراني للهيمنة وبسط النفوذ على دول المنطقة، ومن ذلك مواقف حزب الله وزعيمه حسن نصر الله، الذي هدد وتوعد السعودية، ومنها المظاهرات التي شهدتها سوريا، أو موقف جماعة أنصار الله في اليمن، وكذلك المواجهات التي شهدتها بعض المناطق في مملكة البحرين، تنفيذا لتوجيهات جمعية الوفاق، ولكن الملاحظ والغريب هو تورط الحكومة العراقية في هذا الاصطفاف، فالهجوم على السعودية لم يقتصر مثلا على قيادات دينية، مثل آية الله السيستاني أو مقتدي الصدر الذي دعا إلى تظاهرات في دول الخليج، أو حتى سياسيين خارج منظومة الدولة مثل نوري المالكي ، ومنهم رئيس كتلة حزب الدعوة في البرلمان العراقي الذي دعا إلى إغلاق السفارة السعودية في بغداد، وطرد السفير، وكان الغريب في الأمر هو موقف رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي أضاع فرصة ذهبية للقيام بواسطة بين البلدين، كانت سترسخ جهوده في إعادة العراق كجزء من المنظومة العربية، ولكنه أطاح بكل ذلك وانحاز إلى الانتماء الطائفي وأوقف إلى حين أي تطور في العلاقات مع السعودية، رغم أن هناك جهودا مضنية بذلت طوال سنوات مضت لتطبيع العلاقات بين البلدين،
وقامت الرياض منذ فترة بسيطة بإعادة فتح سفارتها في بغداد، والمغلقة منذ عام 1990.
والتزمت السعودية في ساعات الأزمة الأولى بأقصى درجات ضبط النفس، واقتصر الأمر على تقديم احتجاج رسمي على تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية والرد عليها، ولكن الموقف تطور بعد الاعتداء الذي تم على السفارة في طهران، والقنصلية في مشهد إلى أن وصل إلى حد قطع العلاقات، والملفت قدرة المملكة في الرد السريع والحاسم على الاصطفاف الطائفي من إيران واستثمار جهودها السابقة في إعادة ترتيب البيت العربي الإسلامي، واتخذ الأمر ثلاث مسارات خليجية وعربية وإقليمية، فعلى المستوى الخليجي كان هناك إجماع على دعم الموقف السعودي، وإدانة الاعتداءات على السفارة والقنصلية، مع اتفاق على عقد اجتماع عاجل لوزراء الخارجية في الرياض يوم السبت، مع تباين في مستوى رد الفعل، فالبحرين الذي يعاني طويلا من التدخلات الإيرانية في شئونه استقوى بالموقف السعودي، وقرر قطع العلاقات، خاصة وأنها متدهورة أصلا.
وإن كان هناك أجماع واضح من جميع الدول العربية بلا استثناء على دعم الموقف السعودي، ورفض التدخل الإيراني في شأن هو من صميم القضاء، وعمل من عمل السيادة ناهيك عن التنديد بما أقدمت عليه جهات إيرانية، بحماية وتحريض من أجهزة رسمية، باقتحام السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد باعتباره مخالفة صريحة لكل المواثيق والمعاهدات الدولية، الخاصة بتوفير الحماية والرعاية للبعثات الدبلوماسية، ولعل الموافقة السريعة على عقد اجتماع غدا الأحد على مستوى وزراء الخارجية، بناءً على طلب السعودية مؤشر جديد على الدعم العربي للرياض، يضاف إليه توقعات بحضور مميز، وان كان الاستثناء الوحيد سيكون من العراق.
ولعل النجاح السعودي الأكبر في ترتيب البيت العربي الإسلامي، ظهر في السعي إلى تشكيل تحالف يضمها مع كلٍّ من القاهرة وتركيا، والأمر قد لا يرتبط مباشرة بالأزمة، فهو سابق عليها، ولكنه سيفيد في تشكيل حائط صد ضد إيران في المرحلة القادمة. فالرياض استطاعت إقناع الطرفين مع دول أخرى في المشاركة في تشكيل التحالف العسكري الإسلامي، رغم وجود تناقضات سياسية بينهما، وخلال أقل من أسبوع شهدنا تطورات مهمة في العلاقات السعودية المصرية، ولعل الأزمة الأخيرة ستقطع الطريق أمام أي مناورة مصرية باللعب بورقة استعادة العلاقات مع إيران، ووقف الدعوات لدى قطاعات من النخب المصرية باستعادتها.
ونفس الأمر يتعلق بتركيا؛ حيث تم الإعلان في ختام زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسعودية في الأسبوع الماضي عن تشكيل وتأسيس مجلس للتعاون الاستراتيجي، والذي يعد خطوة مهمة على صعيد التوازن في المنطقة، ويستهدف التنسيق أكثر وأكثر بين البلدين في ظل الظروف والتحديات التي تواجههما على أكثر من صعيد، وتنسيق المواقف تجاه أزمات المنطقة في سوريا والعراق واليمن وليبيا، والحد من التدخلات الإيرانية في المنطقة، وعلى الرغم من حرص أنقرة وطهران على العلاقات الثنائية إلا أن الخلافات بين الطرفين في ملفات مهمة خاصة السوري تحد من تطويرها.
وتوابع الأزمة السعودية الإيرانية لن تتوقف عليهما فقط، ولكن تأثيرها على أزمات عديدة في المنطقة وكلها مفتوحة، في سوريا وفي اليمن، والأيام ستكشف ما إذا كان التأثير سلبا أو إيجابا.
usama.agag@yahoo.com •