جرس إنذار ..!
08 نوفمبر 2014 , 06:58ص
منذ 3 يوليو 2013، العالم يرى مصر من زاوية، والنظام يشاهدها من زاوية أخرى.
تلك هي الإشكالية التي تواجه المعضلة المصرية.
هناك مسعى مستمر من النظام، لتغييب وعي الجماهير المصرية، لترويج فكرة أن كل الأحوال بخير، وأنه ليس بالإمكان أفضل مما هو كائن، ليس هناك مشاكل، وإن كانت فهي مقصورة فقط على مواجهة الإرهاب، وهو أمر هين وسهل، وسيتم القضاء عليه. كما بدأ مخطط ممنهج يشيع أجواء التفاؤل المزيف بالمستقبل، وأننا نعيش زمن المشروعات القومية، دون إدراك حقيقي بمعنى الفكرة أو الكلمة، أما الترويج لنظرية المؤامرة فحدث لأحرج.
وآخر ما تفكر فيه الحكومة أو القائمون عليها، الاعتراف بأن هناك مشاكل، رغم أن ذلك هي الخطوة الأولى، في طريق البحث والاجتهاد في الحل، هل نتوقف عند الأمثلة، هي أكثر من أن تعد أو تحصى.
آخرها أزمة مركز كارتر، الذي تعرض لهجوم شرس من الخارجية والنخبة المصرية، عندما أصدر بيانا أشار فيه إلى أنه لن يقوم، بمراقبه الانتخابات البرلمانية القادمة في مصر، مبررا ذلك بأن المناخ في مصر، لا يتيح العمل في أجواء ديمقراطية، منتقدا تراجع الالتزام بالمعايير المتعارف عليها، في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، متحدثا عن قيود تفرضها الدولة على الحريات، وتضييق على المجتمع المدني والأحزاب، فيما يتعلق بالحق في التنظيم والتعبير والتجمع، واستمرار هذا الوضع، يخلق مناخا لا يساعد على إجراء انتخابات برلمانية نزيهة، فماذا كان رد الفعل؟ اتهامات من كل نوع، وشتائم من كل صنف، ومنها أن المركز ينفذ الأجندة الأميركية، ويلتزم بتوجهات الإدارة في واشنطن، وتزيد البعض للحديث عن دور الرئيس الأسبق كارتر، رغم أن الرجل صاحب الإنجاز الأهم، من وجهة النظر الرسمية، وهو التوصل إلى اتفاقية السلام مع إسرائيل، وحتى رد وزارة الخارجية المصرية جاء في صالح المركز، وليس العكس، عندما استند على خطاب من المركز، تم إرساله في نهاية أغسطس الماضي، يشيد بتعاون الدولة المصرية معه. دون إدراك لأن هناك فرقا، بين التعاون المستمر، منذ أن قرر المركز فتح مكتب له في مصر بعد ثورة يناير، ودوره في رصد وانتقاد وأوضاع حقوق الإنسان في مصر.
أما حقيقة الأوضاع على الأرض، التي لا تخطئها العين، ولا تغيب عن المراقب سوى النظام، فيكفي الحديث عن ملف واحد، هو المتعلق بالمعتقلين في مصر من 3 يوليو 2013 حتى الآن، والأرقام تتفاوت، البعض يتحدث عن 40 ألفا أو 20 ألفا، كما تقول الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وينخفض إلى 16 ألفا عند منظمات حقوقية دولية، أما المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو الجهاز شبه الرسمي، الذي لا يمارس دوره، فيحدد الرقم بـ8 آلاف، وأيا كان الرقم، أو التباين بين الإحصاءات، فإن الآلاف منهم غير المنتمين للإخوان المسلمين، وكأن الانتماء إلى الجماعة، أصبح جريمة، منهم ألف قاصر، وألفان من الطلاب، فهل قام النظام بواجبه في تصفية هذا الملف المخزي.
نموذج آخر، العالم كله يرصد تضييق الخناق على الحركة الطلابية في مصر، وهي ليست ظاهرة جديدة أو مستحدثة، بالعكس، الطلاب هم طليعة التغيير منذ قيام الدولة الحديثة في مصر، أما الآن فقد وصل الأمر إلى اتهام وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، في المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الوزراء إبراهيم محلب، للدفاع عن وزراء حكومته؟ بأن أساتذة الجامعات -لاحظ ذلك- هم من يهربون المولوتوف والأسلحة للجامعات، وكأننا لسنا في حرم جامعي، ولكن أمام تشكيلات إجرامية، أما وزير التعليم العالي، فبدلا من أن يقدم العزاء إلى أسرة وزملاء الطالب، الذي توفي في جامعة الإسكندرية، قدم أغرب تبرير، أن الشهيد طالب في الحقوق، فلماذا ذهب إلى كلية الهندسة؟
وينسى النظام في مصر، أن عدد الشهداء من الطلبة منذ 3 يوليو 2013، وصل إلى 208 شهداء، وعدد المعتقلين، 1872 منهم 100 طالب في المرحلة الإعدادية والثانوية، وتم فصل 503 طلاب، مع اعتقال 165 أكاديمي وأستاذ جامعي، وفي تقرير للمركز التنموي الدولي، يقول إن العام الدراسي الماضي شهد 3 آلالف احتجاج طلابي، وقع خلالها 600 حادث مؤسف، فماذا فعلت الحكومة استعدادا واستعدت للعام الدراسي الحالي، قامت باعتقال 70 طالبا خلال يومين، بتحصين الجامعات أبواب فولاذية، وكأنها سجون، وكاميرات مراقبة، ومرشدين للأمن من الطلبة، وزيادة عناصر الأمن الإداري، مع تخصيص كتائب من الأمن المركزي، خارج أسوار الجامعات، للتدخل في أي لحظة، كما قامت الحكومة بالتراجع عن أي إنجاز تحقق من ثوره يناير 2011، ومنها استقلال الجامعات، وانتخاب العمداء ورؤساء الجامعات، وتغيير اللائحة التي أصبحت تتيح فصل أي طالب جامعي أو أستاذ، ومع ذلك كله ما زالت الدولة المصرية تتعامل مع الأزمة بالأمن، دون أي لبحث حقيقي في علاج سياسي للوضع.
هل نتحدث عن حرية الإعلام، فقد قامت الدنيا ولم تقعد، عندما نشرت صحافية نيويورك تايمز، افتتاحية من مجلس تحريرها، انتقد فيها استمرار إمداد مصر، بالمساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية، رغم أن النظام بها قائم على انقلاب عسكري، وتشهد تراجعا لحقوق الإنسان، وتغيبا للديمقراطية، وبدلا من البحث عن أسباب إصدار مثل تلك الافتتاحية، والاستفادة من مضمون ما جاء بها، ومعالجة أي سلبيات، أو حتى توضيح وجهة النظر فيما كتبته، بدأ السيناريو المعتاد، في الهجوم على الصحيفة، والادعاء أنها جزء من توجهات الإدارة، رغم أن المقال أعقب لقاء السيسي مع أوباما، ووصل الأمر بالمعلقين المصريين، إلى اتهام أميركا بأنها إخوان مسلمين، كما لجأ البعض إلى التقليل، من قيمة الصحيفة وتأثيرها على الرأي العام الأميركي، وقد شهدت الفترة القليلة الماضية، فضيحة تعرضت لها أكبر الصحف المصرية، عندما نشرت تقريرا محرفا منسوبا، إلى مراسل نفس الجريدة نيويورك تايمز، التي قيل إنها محدودة التأثير، لمراسلها في القاهرة، تحت عنوان «كاتب أميركي السيسي رجل دولة يحظى بالاحترام والتقدير»، على خلاف ما جاء تماماً في تقرير المراسل الأصلي، وعندما كشفت النيويورك تايمز التزوير، اضطرت الجريدة للاعتذار، واتهمت وكالة الشرق الأوسط الرسمية، بأنها وراء ذلك التحريف،
والتجاوزات في حق الإعلام، وتضييق الخناق عليه، أكثر من أن تحصى ويكفي، إغلاق عدد من القنوات الفضائية والصحف بعد 3 يوليو 2013، واعتقال عشرات الصحافيين، ناهيك عن ضيق الدولة بأي رأي معارض، حتى ولو كان من معسكر 3 يوليو، وآخر ذلك ما حدث مع إعلامي من نفس الفصيل السياسي، ومحسوب على النظام والأجهزة، حيث تم قطع البث عنه على الهواء، لمجرد أنه انتقد وزيري الصحة والتعليم، على أمور تتعلق بتسمم العشرات من طلبة المرحلة الابتدائية، ومقتل طالبين، وعدم توافر الخدمات الصحية في المستشفيات العامة.
هذه هي صورة مصر بوجهيها، الحقيقي الذي يشاهده العالم، والمشوه الذي يروج له النظام.
usama.agag@yahoo.com •