alsharq

د. نافجة صباح البوعفرة الكواري - أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية- جامعة قطر

عدد المقالات 16

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 05 سبتمبر 2026
التعليم في قطر: بين إدارة المؤسسات وصناعة المستقبل
سحر ناصر 07 سبتمبر 2026
ماذا تريد إسرائيل من قطر؟

حافة الهاوية: إدارة الصراع في المنطقة الرمادية

08 يونيو 2026 , 10:29م

في المشهد الدولي الراهن، لم تعد سياسة حافة الهاوية مرادفًا للاقتراب من الحرب فحسب، بل أصبحت أسلوبًا متكاملًا لإدارة التنافس بين القوى المتصارعة، فالدول لم تعد تسعى بالضرورة إلى خوض الحروب، وإنما إلى توظيف الضغوط والمخاطر لإعادة تشكيل سلوك الخصوم وتوجيه قراراتهم. ومن هنا برزت حافة الهاوية كمساحة رمادية تتداخل فيها أدوات الردع مع أدوات الدبلوماسية، ويستخدم فيها التصعيد كوسيلة للتأثير أكثر من كونه تمهيدًا للمواجهة، وفي ظل ارتفاع كلفة الحروب وتعقد بيئات الصراع، أصبح الهدف من التصعيد هو رفع ثمن الخيارات المتاحة للطرف الآخر، ودفعه إلى مراجعة حساباته. 
فمن خلال الاقتراب المتعمد من نواة الأزمة، يسعى الفاعل إلى ترسيخ قناعة لدى الطرف الآخر بأن كلفة الاستمرار في التحدي قد تفوق كلفة التراجع أو تقديم تنازلات محدودة، فتتحول المخاطرة من وضعٍ ينبغي تجنبه إلى أداة سياسية تستخدم لتحقيق أهداف استراتيجية. ويعتمد نجاح هذا النهج على إقناع الخصم بأن احتمالات التصعيد حقيقية وقابلة للتحقق، حتى وإن لم تكن الحرب هدفًا مرغوبًا لأي من الأطراف. 

على مدى السنوات الماضية، لم تعتمد الولايات المتحدة على التهديد العسكري وحده في تعاملها مع إيران، بل انتهجت استراتيجية ضغط متعددة الأبعاد جمعت بين العقوبات الاقتصادية، وتعزيز الوجود العسكري في الخليج، والتحركات الدبلوماسية المكثفة، إلى جانب السعي لتقييد النفوذ الإقليمي الإيراني. ولم تكن هذه الأدوات تستهدف تحقيق حسم عسكري مباشر، بقدر ما هدفت إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بطهران، عبر رفع كلفة المواجهة وتقليص البدائل المتاحة أمامها، بما يجعل التفاوض خيارًا أكثر جدوى من الاستمرار في مسار التصعيد. وفي المقابل، لم تقف إيران في موقع المتلقي للضغوط، بل عملت على توظيف ما تمتلكه من أوراق ضغط لإظهار قدرتها على الرد وفرض كلفة مقابلة على خصومها، من خلال توجيه رسالة مفادها أن أي محاولة للضغط عليها لن تمر دون ثمن. وفي ظل هذه المعادلة، فكل خطوة يتخذها أحد الطرفين تحمل في طياتها رسالة استراتيجية موجهة للطرف الآخر، هدفها إعادة تشكيل حساباته بشأن كلفة التصعيد وحدود الاستمرار فيه.
وفي مثل هذه البيئة، لا يكمن الخطر الحقيقي في التصعيد ذاته، بل في الاعتقاد بإمكانية التحكم به على الدوام، فكلما ازدادت ثقة الأطراف بقدرتها على الاقتراب من حافة المواجهة دون السقوط فيها، تقلصت المسافة الفاصلة بين الردع والانفجار، وبين إدارة الأزمة وخروجها عن السيطرة. ومن هنا، تكمن الإشكالية الأساسية في أن حافة الهاوية ليست منطقة مستقرة فهي قد تنجح في تأجيل الحرب، لكنها لا تضمن منعها، بل إن استمرار الاعتماد عليها بوصفها أداة لإدارة الصراع، قد يجعل المنطقة أكثر عرضة للانزلاقات غير المقصودة، حيث تصبح كلفة الخطأ في التقدير أكبر من قدرة الأطراف على احتوائه.
قد تنجح سياسة حافة الهاوية ما دامت الأطراف قادرة على قراءة الرسائل المتبادلة، والحفاظ على توازن بالغ الحساسية بين ممارسة الضغط وضبط النفس، إلا أن المفارقة تكمن في أن الأداة المصممة لإدارة التنافس ومنع الانفجار قد تتحول، مع الوقت، إلى مصدر إضافي للمخاطر. وفي مثل هذه الظروف، قد تتحول المساحة الرمادية التي تستخدم اليوم لاحتواء التوترات وإدارة الخلافات، إلى بوابة أمام دوامة تصعيد يصعب التحكم في مسارها. فالتاريخ يُظهر أن كثيرًا من الأزمات الكبرى لم تنفجر لأن الأطراف أرادت الحرب، بل لأنها بالغت في الثقة بقدرتها على التحكم بمسار التصعيد حتى اللحظة الأخيرة.

حين تتصارع الأجندات: من يدفع بالأزمة نحو نقطة اللاعودة

بين تراجع الاستقرار واحتمال المواجهة، تتشكل مرحلة هي الأكثر حساسية في مسار الأزمات الدولية، لحظة تتصاعد فيها حدة التوتر، وتترقب العواصم التحركات، فيما يظل قرار المواجهة مؤجلًا. تمثل هذه المساحة الفاصلة المرحلة الواقعة بين الاستقرار...

التفاوض بلا طاولة: دبلوماسية الصمت في إدارة الأزمات

ليست كل المفاوضات بحاجة إلى طاولة تجمع أطرافها، كما أن غياب الإعلان الرسمي عنها لا يعني بالضرورة توقف قنوات التفاهم والتفاوض، ففي بعض الأزمات، قد تصل الدول إلى مرحلة تصبح فيها حاجتها إلى الحوار أكبر...

الردع المفقود: مأزق القوة في مواجهة الوكلاء

يقوم الردع، في مفهومه الكلاسيكي، على ثلاثة افتراضات رئيسية: وضوح هوية الفاعل، وإمكانية إسناد المسؤولية عن الفعل العدائي إليه، وقدرة التهديد بالعقاب من خلال الوصول إلى الطرف الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرار، ولكن حروب الوكالة...

الانتصار الذي لا يصنع نصراً.. فخ النجاح التكتيكي

نادراً ما تبدأ الهزيمة في هيئة هزيمة، فقد ترتدي أحياناً ملامح الانتصار، فالنجاح في لحظة المواجهة لا يكشف بالضرورة عن المسار الذي ستقود إليه نتائجه. فالدولة قد تدمر هدفاً، أو تفرض حصاراً، أو تستنزف خصمها،...

الحرب التي لا يريدها أحد: مفارقة الحسابات الخاطئة

تبدو الأزمة الأمريكية– الإيرانية للوهلة الأولى وكأنها مفارقة يصعب تفسيرها: كيف يستمر التصعيد بين طرفين يدركان كلفة الحرب، ولا يبدو أن أياً منهما يسعى إلى مواجهة شاملة؟ لا تكمن الإجابة بالضرورة في غياب العقلانية، بل...

الوساطة الشبكية وإدارة الأزمات: لماذا لم يعد نموذج الوسيط الواحد كافياً؟

الصراع لا يبقى أسير لحظة اندلاعه، بل يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة من التصعيد، فيضيف أطرافًا وملفاتٍ وحساباتٍ لم تكن جزءًا من بدايته، ومع كل مستوى جديد من التصعيد الرأسي الذي يرفع حدة...

عندما تصبح القوة غير قابلة للاستخدام

تقوم إحدى المفارقات في العلاقات الدولية على أن القوة تبلغ أحيانًا ذروة تأثيرها عندما لا تستخدم، فالدول تسعى باستمرار إلى تعظيم قدراتها العسكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية، اعتقادًا بأن امتلاكها يمنحها حرية أوسع في التأثير وصناعة القرار....

التوقيع ليس النهاية: اختبار الالتزام والامتثال في الاتفاق الأمريكي - الإيراني

لا يتمثل التحدي الحقيقي لأي اتفاق أمريكي–إيراني في مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات أو التوصل إلى تفاهم دبلوماسي يرضي الطرفين، بل في القدرة على تحويل ما يدون في نصوص الاتفاق إلى سلوك سياسي فعلي، فغالبًا...

من الصراع الصفري إلى الرابح - الرابح.. حدود التسوية في المواجهة الأمريكية - الإيرانية

رغم الجاذبية النظرية التي يتمتع بها مفهوم «الرابح-الرابح»، فإن تطبيقه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بصراعات ترتبط بالأمن القومي وتوازنات القوة، حيث لا تقاس المكاسب بما يتحقق من منافع فقط، بل بما يحافظ عليه...

القوة الناعمة بين منطق الوساطة وحسابات الهيمنة

أصبحت القوة الناعمة أكثر من مجرد أداة لتحسين الصورة أو تعزيز الحضور الدبلوماسي، بل غدت جزءًا أساسيًا من معادلة النفوذ وإدارة الصراع في المنطقة، فمع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الوساطة، والدبلوماسية، وإدارة...

الغموض البنَّاء: من أداة دبلوماسية لإنهاء الصراع إلى إستراتيجية لإدارة الردع

لم يعد الغموض البنَّاء في البيئة الإستراتيجية المعاصرة مجرد أداة دبلوماسية لتخفيف التوتر أو تأجيل المواجهة، بل تحول تدريجيًا إلى جزء من بنية الردع ذاتها، ففي الحروب شديدة التعقيد لم تعد الأطراف تسعى بالضرورة إلى...

إستراتيجية الخروج: آليات اتخاذ القرار ومنطق الفوضى

تكشف الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران عن واحدة من أكثر إشكاليات الصراع تعقيدًا، والمتمثلة في غياب التوافق السياسي حول كيفية إنهاء الحرب ومعنى «النهاية» ذاتها. فجوهر الخلاف لا يقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل يمتد...