

بين تراجع الاستقرار واحتمال المواجهة، تتشكل مرحلة هي الأكثر حساسية في مسار الأزمات الدولية، لحظة تتصاعد فيها حدة التوتر، وتترقب العواصم التحركات، فيما يظل قرار المواجهة مؤجلًا. تمثل هذه المساحة الفاصلة المرحلة الواقعة بين الاستقرار والتصعيد المفتوح، حيث ترتفع مؤشرات الخطر من دون أن تبلغ الأطراف نقطة اللاعودة. وما يجعل هذه المرحلة بالغة الحساسية أنها تتحول إلى ساحة تتصارع فيها أجندات متباينة، داخلية وخارجية، سياسية وعسكرية وإعلامية، تتحرك جميعها ضمن شبكة معقدة من العلاقات تربط صناع القرار بالمؤسسات، والحلفاء بالخصوم، والفاعلين الرسميين بغير الرسميين. ومن ثم، لا يتحدد مسار الأزمة بإرادة الطرفين الظاهرين فيها وحدهما، بل بمجمل التفاعلات والأجندات التي تتحرك داخل هذه الشبكة، وتحدد في نهاية المطاف ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو الاحتواء أم ستنزلق إلى المواجهة.
فهذه المساحة ليست فراغًا محايدًا ينتظر ما ستؤول إليه الأحداث، بل فضاء شديد الحركة، تتنافس داخله قراءات مختلفة للحدث نفسه، وتتقاطع فيه أولويات قد لا تنسجم حتى داخل الطرف الواحد. فقد تسعى القيادة السياسية إلى احتواء التوتر حفاظًا على مصالح اقتصادية أو تحالفات قائمة، بينما تدفع مؤسسات عسكرية أو أمنية نحو موقف أكثر تشددًا، انطلاقًا من حسابات مختلفة للردع والتهديد. وفي الوقت ذاته، قد تدخل أطراف إقليمية أو دولية على خط الأزمة بأجنداتها الخاصة، فبعضها يسعى إلى التهدئة حفاظًا على الاستقرار الإقليمي، في حين قد يرى بعضها الآخر في استمرار التوتر فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة أو تحقيق مكاسب إستراتيجية.
وتكمن خطورة صراع الأجندات في أن كل فاعل قد يتصرف وفق حسابات تبدو عقلانية من منظوره الخاص، بينما قد يؤدي تفاعل هذه الحسابات مجتمعة إلى نتيجة لم يكن أي من الأطراف يسعى إليها. فما تراه مؤسسة ما إجراءً دفاعيًا قد يفسره الطرف المقابل بوصفه استعدادًا للهجوم، وما تقصده قيادة سياسية رسالة ردع محدودة، قد تقرأه جهة أخرى بوصفه مؤشرًا على نية التصعيد. وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا عندما تتعدد مراكز القرار داخل الدولة الواحدة، أو تتباين الرسائل السياسية والعسكرية، أو تتحول وسائل الإعلام والمنصات الرقمية إلى فاعل إضافي يرفع سقف التوقعات ويضيق مساحة التراجع.
وتكتسب هذه المرحلة أهميتها لكونها تمثل نافذة زمنية تظل فيها حسابات الأطراف قابلة للمراجعة والتعديل، ففي مرحلة الاستقرار، قد لا تبرز الحاجة إلى تدخل دبلوماسي استثنائي، بينما تتقلص فرص المناورة بصورة حادة مع اندلاع الحرب، حين ترتفع الكلفة السياسية للتراجع، وتتصلب المواقف، وتصبح الاعتبارات العسكرية أكثر حضورًا في عملية صنع القرار. وهنا تتجاوز إدارة التصعيد مجرد الدعوة إلى ضبط النفس، لتشمل تحديد الفاعلين الأكثر قدرة على التأثير في مسار الأزمة، بما يحد من احتمالات سوء الفهم الناجم عن تعدد الأصوات وتباين الرسائل.
إن فهم هذه المساحة الفاصلة باعتبارها ساحة لصراع الأجندات، لا مجرد مرحلة تسبق الحرب، يغير الطريقة التي ينبغي أن تدار بها الأزمات. وهنا يكمن الدرس الأعمق، أن كبح الحروب لا يبدأ بالضرورة من طاولة المفاوضات الرسمية، بل من القدرة على تفكيك شبكة الأجندات المتقاطعة قبل أن تتعقد في اتجاه واحد يصعب التراجع عنه. فالأجندة القادرة على توجيه مسار الأزمة ليست دائمًا الأعلى صوتًا، بل قد تكون الأكثر تموضعًا في قلب شبكة التأثير، والأقدر على تحريك بقية الفاعلين وتعديل حساباتهم. فمنع الحرب، في نهاية المطاف، ليس رهانًا على حسن النوايا بقدر ما هو قدرة على إدارة هذا التشابك المعقد من المصالح والأجندات، قبل أن تتفاعل بصورة تدفع الجميع، حتى من دون قصد، نحو نقطة اللاعودة.
ليست كل المفاوضات بحاجة إلى طاولة تجمع أطرافها، كما أن غياب الإعلان الرسمي عنها لا يعني بالضرورة توقف قنوات التفاهم والتفاوض، ففي بعض الأزمات، قد تصل الدول إلى مرحلة تصبح فيها حاجتها إلى الحوار أكبر...
يقوم الردع، في مفهومه الكلاسيكي، على ثلاثة افتراضات رئيسية: وضوح هوية الفاعل، وإمكانية إسناد المسؤولية عن الفعل العدائي إليه، وقدرة التهديد بالعقاب من خلال الوصول إلى الطرف الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرار، ولكن حروب الوكالة...
نادراً ما تبدأ الهزيمة في هيئة هزيمة، فقد ترتدي أحياناً ملامح الانتصار، فالنجاح في لحظة المواجهة لا يكشف بالضرورة عن المسار الذي ستقود إليه نتائجه. فالدولة قد تدمر هدفاً، أو تفرض حصاراً، أو تستنزف خصمها،...
تبدو الأزمة الأمريكية– الإيرانية للوهلة الأولى وكأنها مفارقة يصعب تفسيرها: كيف يستمر التصعيد بين طرفين يدركان كلفة الحرب، ولا يبدو أن أياً منهما يسعى إلى مواجهة شاملة؟ لا تكمن الإجابة بالضرورة في غياب العقلانية، بل...
الصراع لا يبقى أسير لحظة اندلاعه، بل يعيد تشكيل نفسه مع كل مرحلة جديدة من التصعيد، فيضيف أطرافًا وملفاتٍ وحساباتٍ لم تكن جزءًا من بدايته، ومع كل مستوى جديد من التصعيد الرأسي الذي يرفع حدة...
تقوم إحدى المفارقات في العلاقات الدولية على أن القوة تبلغ أحيانًا ذروة تأثيرها عندما لا تستخدم، فالدول تسعى باستمرار إلى تعظيم قدراتها العسكرية، والاقتصادية، والتكنولوجية، اعتقادًا بأن امتلاكها يمنحها حرية أوسع في التأثير وصناعة القرار....
لا يتمثل التحدي الحقيقي لأي اتفاق أمريكي–إيراني في مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات أو التوصل إلى تفاهم دبلوماسي يرضي الطرفين، بل في القدرة على تحويل ما يدون في نصوص الاتفاق إلى سلوك سياسي فعلي، فغالبًا...
في المشهد الدولي الراهن، لم تعد سياسة حافة الهاوية مرادفًا للاقتراب من الحرب فحسب، بل أصبحت أسلوبًا متكاملًا لإدارة التنافس بين القوى المتصارعة، فالدول لم تعد تسعى بالضرورة إلى خوض الحروب، وإنما إلى توظيف الضغوط...
رغم الجاذبية النظرية التي يتمتع بها مفهوم «الرابح-الرابح»، فإن تطبيقه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بصراعات ترتبط بالأمن القومي وتوازنات القوة، حيث لا تقاس المكاسب بما يتحقق من منافع فقط، بل بما يحافظ عليه...
أصبحت القوة الناعمة أكثر من مجرد أداة لتحسين الصورة أو تعزيز الحضور الدبلوماسي، بل غدت جزءًا أساسيًا من معادلة النفوذ وإدارة الصراع في المنطقة، فمع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، برزت الوساطة، والدبلوماسية، وإدارة...
لم يعد الغموض البنَّاء في البيئة الإستراتيجية المعاصرة مجرد أداة دبلوماسية لتخفيف التوتر أو تأجيل المواجهة، بل تحول تدريجيًا إلى جزء من بنية الردع ذاتها، ففي الحروب شديدة التعقيد لم تعد الأطراف تسعى بالضرورة إلى...
تكشف الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران عن واحدة من أكثر إشكاليات الصراع تعقيدًا، والمتمثلة في غياب التوافق السياسي حول كيفية إنهاء الحرب ومعنى «النهاية» ذاتها. فجوهر الخلاف لا يقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل يمتد...