


عدد المقالات 80
الحياة.. ما الحياة؟ هكذا أشغل الفلاسفة أنفسهم بالبحث عن إجابات شافية لهذا السؤال المتجدد، من عهد (طاليس) أول فلاسفة اليونان، إلى ما ليس آخرا من فلاسفة الزمان. والشعراء أيضا لهم فلسفتهم حول الحياة. أشهر من تساءل حول الحياة هو أبوالعلاء في ترانيمه الشهيرة: غير مجدٍ في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شادِ الأمور كلها متشابهة، البكاء والضحك، ما البكاء وما الضحك؟! وشبيه صوت النَّعِيِّ إذا قيس بصوت البشير في كل نادِ هل تبكي تلك الحمامة أم تغني؟!: أبكت تلكم الحمامة أم غنت على فرع غصنها المياد؟! أرضنا هذه إنما هي مقبرة كبرى، قبور فوق قبور، على مدى الأزمان، فأين من سبقونا من عظماء وطغاة وصالحين وطالحين؟! انظر إلى القبور التي تملأ الصحارى والقفار والجبال: صاحِ هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد؟! انتبه.. لا تمش متبخترا متكبرا، فتحت قدميك تراب تكوينه من أجساد العباد، هل أنا كئيب هذا اليوم؟!: خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد! سر إن اسطعت في الهواء رويدا لا اختيالا على رفات العباد رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحكٍ من تزاحم الأضداد ودَفينٌ على بقايا دفين في طويل الأزمان والآباد هل تستطيع أن تسأل النجمين المضيئين، الفرقدين، عن البلاد والناس الذين مروا على مر العصور كم رأيا من أناس ومن بلاد؟: فاسأل الفرقدين عمن أحسا **من قبيل وآنسا من بلاد كم أقاما على زوال نهار وأنارا لمدلج في سواد؟! هذه الحياة لا تستحق التعب؛ لأنها هي تعب كلها، فلماذا نرغب في طول البقاء ونحن نعلم أن نهايتنا ستكون تحت التراب حينما لن يذكرنا أحد ولا يفتقدنا أحد؟: تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد! حزن الساعة الأخيرة من الحياة يقضي على سرور الحياة كلها من ساعة الميلاد إلى ساعة الموت: إن حُزناً في ساعة الموت أضعاف سرور في ساعة الميلاد عندما كنت صغيرا كنت في مجلس مليء بأصحاب اللحى الطويلة، فذكرت أبيات أبي العلاء هذه فهاجوا واضطربوا، وقال قائل منهم: إن أبا العلاء ملحد يتهكم بالبعث والنشور، وأطال لسانه حتى خشيت أن يصل لسانه هذا إلى شاطئ الدمام! وتضاحك الجمع، وصغر وجهي أنا! فلما عدت إلى البيت تأملت في أبيات أبي العلاء فإذا هو أعقل من صاحب اللسان الطويل ذاك. يرى أننا سننتقل من هذه الحياة الضيقة إلى تلك الحياة الأبدية التي لا نهاية لها: خلق الناس للبقاء فضلت أمة يحسبونهم للنفاد إنما ينقلون من دار أعمال إلى دار شقوة أو رشاد أهذا كلام ملحد؟! بالأمس مات عبدالله سراج فأظلمت الدنيا في عيني، فهل أستطيع أن أخبره أن: ضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها والعيش مثل السهاد يا أبا محمد! قد أقر الطبيب عنك بعجز وتقضى تردد العواد وانتهى اليأس منك واستشعر الوجد بأن لا معاد حتى المعاد هجد الساهرون حولك للتمـ ريض ويح لأعين الهجاد! حياة كلها تعب! واللبيب اللبيب من ليس يغتر بكون مصيره للفساد قد نلتقي!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...