الثلاثاء 16 ربيع الثاني / 01 ديسمبر 2020
 / 
05:26 م بتوقيت الدوحة

عشرون «الجزيرة» وتنافس السياسة مع الإعلام

عبدالوهاب بدرخان
يمكن القول، بما أن قناة «الجزيرة» كانت رائدة برسالتها وأسلوبها، أن أجيالاً عربية عدة تأثّرت بها. الكبار الذين أمضوا العمر وهم ينتظرون إعلاماً يتجرّأ أخيراً على تسمية الأشياء بأسمائها كما هي في وجدانهم. والمخضرمون الذين وجدوا فيها لحظة انعطافية في تفاعلهم مع الأحداث. والشباب الذين اكتشفوا أن هناك فرصة للتعرّف إلى إعلام يتردّد فيه صدى مفاجئ لما تضجّ به قلوبهم وعقولهم. هناك مَن لا يزالون يحنّون إلى بدايات «الجزيرة»، الجديدة اسماً وشكلاً ونبرة، لكن الآتية بمعظم رموزها من تجربة قناة «بي بي سي» العربية التي لم تعمّر طويلاً في لندن وأدّى إقفالها القسري المباغت إلى التعجيل بانطلاق القناة القطرية التي لم تكن تقليداً لها، بل استفادت من كوادرها لكنها ظهرت فوراً بشخصيتها الخاصة، وما لبثت أن عزّزت خصوصيتها.
أتاحت الأعوام الأولى أن يشهد الرأي العام العربي كيف استثارت «الجزيرة» بل استفزّت تغيّر القوالب الإعلامية السائدة، سواء بالمضمون غير التقليدي أو بمواكبة حيّة للتقنيات المتجدّدة بسرعة. فالحكومات صُدمت بأن عصوراً من الرقابة شارفت على نهايتها، ولم تجد مفرّاً من ضرورة مسايرة التغيير، لكنها صُدمت ثانيةً بأن «الجزيرة» كانت رفعت السقف منسجمة مع توقّعات الناس. وفي كثير من الأحيان كانت الشاشة المفتوحة على مشاهد مباشرة كافية لتشكيل الرأي العام، قبل أن تُنطق المعلّقين والمحللين. للمرّة الأولى استشعرت الصحافة الجادة بأنها تواجه تحدّي الشاشة بصورها وسرعتها، وبالتالي توجّب عليها أن تتأقلم مع واقع أنها باتت مسبوقة بالإعلام المرئي - المسموع الذي أضفت عليه «الجزيرة» جهداً صحافياً واضحاً.
ليس المشهد الإعلامي وحده الذي تغيّر، بل ما لبث المشهد السياسي أن تبعه، وكانت «الجزيرة» شاهداً وفاعلاً في كل مكان. كان حضورها مصدر قوتها، ومن خلالها كان العرب جميعاً يعيشون الحدث ولا ينتظرون القنوات الأجنبية، لا في اجتياح رام الله ولا في احتلال بغداد، ولا في حروب غزّة أو في الحروب المنتشرة الآن من سوريا واليمن إلى العراق وليبيا، ولا في أزمات مصر ولبنان وغيرهما. وقد تسبب حضور «الجزيرة»، وبالأخص دورها السياسي، في تصاعد الانتقادات لها من الدوائر الضيقة إلى تلك الأوسع، وكان من الطبيعي أن تنعكس عليها الانقسامات السياسية والعقائدية التي ضربت في عمق المجتمعات، بعد موجة الثورات والانتفاضات الشعبية وما تلاها من صراعات على الهوية «الدينية» أو «المدنية» للأنظمة الجديدة.
بعد عشرين عاماً، لا تزال «الجزيرة» ظاهرة معيارية يُقاس بها جهد القنوات الأخرى ونجاحها، وهناك قنوات نافستها ولا تزال تزاحمها، بل المؤكّد أن التحوّلات التي يمر بها العالم العربي جذبت الأولوية إلى الإعلام المحلي الذي استطاع أن يحصّل درجات غير مسبوقة من الحرية، تلك الحرية التي جعلت منها «الجزيرة» أحد أبرز أهدافها وأتاحت شاشتها للمطالبين بها في بلدانهم، لكنها أيضاً الحرية التي تحوّلت إلى فوضى وغوغائية في كثير من الأحيان. وبعد عشرين عاماً ينبغي الاعتراف لـ «الجزيرة» بما لها وبما أنجزته، ولعل التجديد الشامل الذي باشرته الآن يستجيب أكثر لتوقعات الشباب الذين صنعوا كل الثورات وأحبطهم أن يكون هناك من صادرها منهم. في أي حال، كل القنوات الدولية الكبرى التي حافظت على مكانتها غلّبت دائماً الدور الإعلامي على الدور السياسي.