

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو في الغرب، تعاني الأزمة الذهنية نفسها.
فعلى اختلاف مرجعيات هذه النخب، مرجعية دينية كانت أم يسارية أم علمانية، وتباين مواقفها من الدولة والدستور والهوية والدين والمجتمع والإنسان وشكل النظام السياسي والسلطة والمعارضة، فإن جزءًا منها يلتقي، من حيث لا يدري، عند نقطة واحدة شديدة الخطورة، أنه يناقش المستقبل بعقلٍ ما يزال أسير منظومة معرفية «أبستمولوجيا» تنتمي إلى الماضي.
اللقاءات التي جمعتنا خلال الأشهر الماضية بزملاء وباحثين وأساتذة جامعات في عدد من العواصم العربية والأوروبية، من ساحل الخليج إلى مدن عربية كبرى، ومن أوسلو وباريس إلى واشنطن ونيويورك، تكشف بوضوح عن أزمة فكرية أعمق من مجرد اختلاف في المواقف أو التقديرات.
التفكير خارج الزمن الحاضر
ثمة قطاع كبير من النخب الفكرية والسياسية العربية ما يزال يفكر بأدوات ومفاهيم تنتمي إلى عالم يتراجع، فيما يتشكل أمامه عالم جديد بسرعة هائلة. والمشكلة هنا ليست نقصًا في المعلومات بقدر ما هي عجز عن إدراك متغيرات الزمن الذي نعيش فيه؛ إذ تستمر النقاشات حول قضايا وأطر فكرية تجاوزها الواقع، في وقت يعاد فيه تعريف القوة والدولة والاقتصاد والمعرفة على وقع الذكاء الاصطناعي والتحولات الكبرى. إنها، في جوهرها، أزمة وعي بالتاريخ حين يتحرك، لا أزمة معرفة بالتاريخ بعد أن يقع.
الغالبية تكاد تكون غائبة عن السباق الحقيقي بحثًا عن الإجابة، وتستدعي التاريخ لإثبات أحقيته، والجميع يكاد يبحث عن شرعيته في المقابر الفكرية أكثر مما يبحث عنها في الجامعات والمختبرات ومراكز الابتكار. وكأن أمة تقف اليوم أمام واحدة من أضخم الثورات المعرفية والتكنولوجية في التاريخ لا ينقصها سوى أن تحسم خلافات تعود إلى قرون مضت.
لقد تغير العالم بصورة جذرية، لكن يبدو أن العقل السياسي العربي لم يتغير معه على نفس الوتيرة. ولا تزال مجموعة واسعة من المثقفين العرب الموالين والمعارضين تتصرف وكأن القرن الحادي والعشرين لم يبدأ بعد. قطاع من الإسلاميين ما زال يعتقد أن خلاص الأمة يكمن في إعادة تشغيل نموذج سياسي وُلد في ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية لا تشبه عالم اليوم في شيء. وكأن التاريخ برنامج حاسوبي يمكن إعادة تثبيته بضغطة زر، متجاهلين أن الحضارات لا تُبعث بالاستنساخ، بل بالابتكار.
وفي المقابل، يتشابه الحال مع قطاع من اليساريين والعلمانيين؛ فهؤلاء بدورهم أسرى قواميس أيديولوجية استُهلكت حتى فقدت قدرتها على تفسير الواقع، وما زال بعضهم يتحدث بلغة الحرب الباردة والممانعة والانغلاق على الذات، كأن العقود الأخيرة لم تقع، وكأن العالم لم يُعِد تشكيل نفسه من حولهم.
والمفارقة أن من يقدّم نفسه بوصفه خصمًا للتيارات التقليدية يقع أحيانًا في أسر تقليدية من نوع آخر؛ يغيّر المرجعية ولا يغيّر آلية التفكير، ويستبدل شعارًا بشعار، لكنه يظل عاجزًا عن إنتاج تصور جديد للدولة والمجتمع والحداثة والمستقبل. يختلف الطرفان في اللغة والرموز، لكنهما يلتقيان في مأزق واحد: كلاهما يخاصم الآخر بأدوات قديمة وبالية، وكلاهما يريد بناء المستقبل بعقل لم يغادر الماضي.
منظومة التفكير المعطوبة
إن أخطر ما أصاب العقل السياسي العربي ليس الاستبداد وحده، فالحنين إلى الماضي تحول من مصدر للتعلم إلى سجن فكري، ومن خبرة تاريخية إلى مشروع سياسي دائم. وهكذا أصبح العربي يستهلك تاريخه أكثر مما ينتج مستقبله.
والنتيجة أن المنطقة كلها تكاد تكون غائبة عن السباق الحقيقي الذي يعيد تشكيل العالم. فلا توجد جامعة عربية تتصدر أبحاث الذكاء الاصطناعي عالميًا، ولا شركة تكنولوجية عربية تقود الثورة الرقمية، ولا منظومة ابتكار تنافس المراكز الكبرى. ومع ذلك، تستمر النخب في استنزاف طاقاتها في صراعات الهوية والتراث، وكأن سؤال القرن هو: من كان على حق قبل ألف سنة؟ وليس: من سيقود الاقتصاد العالمي بعد عشر سنوات؟
ولهذا فإن الحديث عن تداول السلطة، على أهميته، لم يعد كافيًا. فالسؤال الحقيقي لم يعد: من يحكم؟ بل: ماذا يستطيع أن ينتج؟ وما قيمة دولة تغير حكوماتها إذا كانت عاجزة عن إنتاج شريحة إلكترونية واحدة، أو منصة رقمية عالمية، أو نموذج ذكاء اصطناعي تنافسي؟
إن الأمم لا تنهض بتغيير السلطة فقط، بل بتغيير طريقة التفكير. والسياسة التي لا تتحول إلى مشروع معرفي تصبح مجرد إدارة للخلافات. أما المعارضة التي لا تمتلك تصورًا لاقتصاد المعرفة، والتعليم، والبحث العلمي، والابتكار، فهي لا تقدم بديلًا، بل تعرض نسخة أخرى من الأزمة.
لقد أصبح العالم يُدار من مختبرات أكثر مما يُدار من البرلمانات. والشركات التكنولوجية باتت تؤثر في مصائر الشعوب بقدر ما تؤثر الحكومات، وربما أكثر. ومن يظن أن السيطرة والقوة ستُصنع حصرا في القصور الرئاسية أو مقرات الأحزاب، فإنه يقرأ خريطة عالم لم يعد موجودًا.
ولهذا فإن أخطر ما في النخب الثقافية العربية ليس معارضتها للسلطة، بل معارضتها غير المقصودة للعصر نفسه. فهي تريد تغيير الأنظمة، لكنها لا تريد تغيير الأدوات الذهنية التي أنتجت التخلف. تريد استبدال الأشخاص، لكنها لا تقدم تصورًا لاستبدال الاقتصاد الريعي باقتصاد المعرفة، ولا التعليم التلقيني بالتعليم المنتج للابتكار، ولا الثقافة الخطابية بثقافة البحث العلمي.
الحاضر بين الماضي والمستقبل
لقد أصبحت شجون الحوارات العربية، أشبه بمن يتجادل طويلًا حول أفضل طريقة لقيادة عربة تجرها الخيول، بينما العالم لا يكتفي بتطوير المركبات ذاتية القيادة، بل يعيد تعريف معنى الطريق والسائق والسرعة والوجهة نفسها. المشكلة هنا ليست أن العربة أبطأ من السيارة، بل أن العقل الذي ما يزال منشغلًا بتحسين اللجام وترتيب المقاعد لم ينتبه إلى أن منظومة الحركة بأكملها قد تغيّرت.
الفجوة ليست بين رأي ورأي، ولا بين تيار وتيار، بل بين زمنين معرفيين مختلفين. هناك من يريد تحسين العربة، وهناك من يبني عالمًا لم تعد فيه العربة أصلًا جزءًا من المعادلة. ومن هنا تصبح الأزمة أخطر من التأخر؛ إنها أزمة في القدرة على إدراك أن التاريخ لا يغيّر أدواته فقط، بل يغيّر قواعد اللعبة ذاتها.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح على كل حزب، وكل تيار، وكل معارض، وكل سلطة، هو ما مشروعك للذكاء الاصطناعي؟ وما خطتك لاقتصاد المعرفة؟ وكيف ستجعل جامعاتك تنافس عالميًا؟ وكيف ستحول الشباب من مستهلكين للتكنولوجيا إلى منتجين لها؟ وكيف ستقيس نجاحك سنويًا أمام المجتمع في الابتكار والبحث العلمي وجودة التعليم؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد مكانة الأمم خلال الخمسين عامًا المقبلة. أما من يصر على إدارة المستقبل بأدوات الماضي، فلن يصنع إلا مزيدًا من التأزم والتخلف والتبعية.
فالتاريخ لا يعاقب الأمم لأنها أخطأت، بل لأنها أصرت على تكرار الخطأ. والعالم لا ينتظر المترددين، ولا يكافئ الحالمين بإحياء العصور الغابرة، بل يفتح أبوابه لأولئك الذين يمتلكون الجرأة على اختراع المستقبل.
إن معركة القرن الحادي والعشرين ليست حصرا بين الإسلاميين والعلمانيين، ولا بين اليمين واليسار، ولا بين المحافظين والتقدميين. إنها معركة بين أمم تنتج المعرفة وأمم تستهلكها، بين دول تكتب الخوارزميات ودول تخضع لها، بين مجتمعات تصنع المستقبل وأخرى لا تزال تتفاوض مع الماضي على حقه في حكم الحاضر.
الإشكالية لم تعد فيمن يقود العربة، ولا فيمن يمسك باللجام، ولا حتى في الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه. المشكلة أن العالم غادر عصر العربة، بينما ما تزال قطاعات من نخبنا تتصارع على من يجلس في مقعد السائق.
عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...
العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...
ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...
جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...
لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...
هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...
بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...
ليس الذكاء الاصطناعي هو الخطر الوجودي الوحيد الذي يواجه البشرية اليوم؛ فهناك الأسلحة النووية، والتغير المناخي، والأوبئة، والحروب، والانهيار البيئي. لكنه يختلف عن معظم هذه الأخطار في نقطة جوهرية واحدة: إنه ليس خطرًا نراقبه من...
حين يعجز مشروع سياسي عن تفسير إخفاقاته، وتصبح حصيلة سياساته أثقل من أن تُدافع عنها الأخلاق أو السياسة، فإنه غالبًا ما يلجأ إلى واحدة من أقدم أدوات الحيل السياسة، البحث عن خصم خارجي يصلح شماعةً...
ليست القضية اليوم أن تدخل المؤسسات التعليمية عصر الذكاء الاصطناعي، بل أن تثبت أنها ما زالت قادرة على البقاء ذات صلة في داخله. لقد انتهى عمليًا الزمن الذي كانت فيه والمؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعات...
ثلاثة مشاهد أحرص على متابعتها باهتمام كبير، مؤتمر LEAP في الرياض، القمة العالمية للحكومات في دبي، وقمة الويب في الدوحة. هذه ليست مجرد فعاليات تقنية أو اقتصادية عابرة، بل مؤشرات على تحوّلات أعمق في بعض...
ليس أخطر ما يتركه الاستعمار وراءه حدودًا رسمها أو مؤسسات أنشأها، بل منظومة من التصورات تُعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها المستعمَر ذاته وتاريخه والعالم من حوله. فحين ينجح الاحتلال في أن يغادر الأرض ويظل...