


عدد المقالات 215
في عالمنا المعاصر، لم تعد كلمة الاستقرار هي الكلمة المفتاحية في قاموس الإدارة والاستراتيجيات المؤسسية، بل أصبح التغير هي الثابت الوحيد. دعونا في هذا المقال نتعرف على مصطلح مهم في عالم شديد التسارع والتغير، حديثنا اليوم عن مصطلح « «فوكا» – VUCA».
لقد انبثق مصطلح VUCA من أروقة الكلية الحربية الأمريكية في تسعينيات القرن الماضي لوصف حالة العالم بعد الحرب الباردة، لكنه اليوم يمثل الواقع اليومي الذي تعيشه المؤسسات، حيث يعرف عالم “فوكا“ بأنها عبارة عن اختصار لأربعة مفاهيم خاصة هي: التقلب وعدم اليقين والتعقيد والغموض، تلك هي الصفات التي تجعل إدارة عملية التحليل أو الاستجابة أو التخطيط معقدة وصعبة، يُعد الفهم الجيد لكيفية تخفيف تلك الصفات من شأنه أن يحسن قدرات القائد الاستراتيجية بشكل كبير ويعطي نتائج أفضل. استخدم اختصار «فوكا» للمرة الأولى في عام 1987م ضمن الكلية الحربية للجيش الأمريكي، والذي نُشر للعلن من قبل هربرت سبنسر باربر في العام 1991م، تم تطويره فيما بعد من خلال مفاهيم القادة « وارن بنيس وبيرت نانوس « في كتابهم الذي نُشر باسم «استراتيجيات تحمل المسؤولية».
فمصطلح التقلب (Volatility) يستخدم لوصف سرعة الابتكار والتغيير والتطور الكبير في السوق العقاري والتجاري والصناعي وأي شيء في هذا العالم، وهو أمر متعلق بالاضطرابات وكل التقلبات في الطلب وسط منطقة تنفيذ المشروع، كلما كان العالم أكثر تقلبًا كلما ازدادت سرعة تغير الأمور.
بينما مفهوم عدم اليقين (Uncertainty) فهو للتعبير عن مدى التنبؤ بالمستقبل بثقة والقدرة على فهم ما يدور في العالم من الأحداث الجديدة، إذ انَّ البيئات غير المؤكدة حقًا هي بيئات متغيرة يصعب التنبؤ بها، أيضاً كلما كان العالم غير مؤكد كلما ازدادت فرصة صعوبة التنبؤ به.
ويأتي مفهوم التعقيد (Complexity) فإنه يشير إلى عدد العوامل التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار وتنوعها والعلاقات فيما بينها، لذلـك مع ازدياد العوامل يزداد تنوعها وتصبح أكثر ترابطًا، وبالتالي يزداد تعقيد البيئة، في البيئات عالية التعقيد يكون من المستحيل تحليل كامل البيئة والتوصل إلى استنتاجات منطقية، وبالتالي كلما كان العالم أكثر تعقيدًا كلما ازدادت صعوبة تحليله.
ويُستخدم الغموض (Ambiguity) للإشارة إلى عدم الوضوح في طريقة تفسير الأشياء، يقال عن الحالة أو الموقف إنّه غامض عندما تكون المعلومات أو التفاصيل حوله متناقضة أو غير دقيقة أو غير متوازنة بشكل كافٍ للحصول على استنتاجات واضحة، كلما كان العالم أكثر غموضًا كلما زادت صعوبة تفسيره.
بداية دعونا نعمل على تفكيك شيفرة «فوكا» (VUCA)
1. التقلب (Volatility): سرعة وحجم التغيير. لم تعد التغيرات تحدث كل عقد، بل كل يوم. (مثل التغير المفاجئ في التقنيات العلاجية أو السياسات الصحية).
2. عدم اليقين (Uncertainty): فقدان القدرة على التنبؤ بالمستقبل. الماضي لم يعد مؤشراً دقيقاً لما سيحدث غداً.
3. التعقيد (Complexity): تداخل العوامل وتعدد الأطراف الفاعلة. المشكلة الواحدة لها أسباب اجتماعية، تقنية، واقتصادية متشابكة.
4. الغموض (Ambiguity): ضبابية الواقع واختلاط المعاني. غياب الإجابات القاطعة (الأبيض والأسود) وسيادة المناطق الرمادية.
ما هي تأثيرات «فوكا « على الأفراد ؟
يقول العديد من الخبراء إنّ عناصر بيئة «فوكا» سوف تزداد سوءًا مع مرور الوقت وتمتد لتنتقل من مجال الأعمال لتشمل جميع مجالات الحياة الأخرى، وبالتالي يتوجب على المرء فهم أكبر لما يهدده بدقة، من العيوب التي تتصف بها بيئة «فوكا» ما يلي:
• زعزعة الاستقرار النفسي للأفراد والمجتمع، الأمر الذي قد يسبب مشاكل صحية وقلقا للموظفين وإرهاقا عاطفيا.
• تثبيط التطوير الوظيفي الناجح ومنعه وازدياد الحاجة إلى التعلم المستمر نظرًا للتغير في الكفاءات والمهارات المطلوبة للاستمرار في سوق العمل.
• الحاجة لتكريس المزيد من الموارد والطاقة للعمل، وقد يكون التعلم الذكي والانتقائي للمواضيع مهماً في هذه البيئة.
• تعرض المشاريع طويلة الأجل لخطر الإلغاء والتغيير، وتصبح المنهجيات التقليدية في إدارة المشاريع (Waterfall) غير مناسبة.
• ضرورة تغيير ثقافة الشركات وتأثر بيئاتها الداخلية وإعادة النظر في المناهج والاستراتيجيات المتبعة والتقليل من فعالية الممارسات المستخدمة حاليًا.
ما هي تأثير «فوكا» على المؤسسات ؟
تؤثر بيئة «فوكا» على المؤسسات في ثلاثة مستويات حرجة:
1. شلل التخطيط التقليدي
المؤسسات التي تعتمد على «الخطط الخمسية» الجامدة تجد نفسها اليوم خارج السياق، ففي بيئة متقلبة وشديدة التغيير، تصبح الخطة قديمة قبل أن يجف حبرها ولا تستطيع مواكبة المتغيرات وتمسي هرمة قبل موعدها. هذا يفرض على المؤسسات الانتقال من «التخطيط للاستقرار» إلى «التخطيط للمرونة» أو استخدام المنهجيات الرشيقة في التخطيط والتنفيذ.
2. تآكل الميزة التنافسية
ما كان يميز المؤسسة بالأمس (مثل امتلاك جهاز معين أو منهجية وحيدة) قد يصبح عبئاً غداً. التعقيد يفرض على المؤسسات أن تكون في حالة تعلم مستمر لابتكار ميزات تنافسية جديدة تعتمد على المعرفة لا على الأصول المادية فقط. تحتاج المؤسسات إلى العقول المبدعة والمبتكرة بشكل مستمر من أجل المنافسة في بيئة عمل متغيرة.
3. ثقافة الخوف من الخطأ
الغموض يجعل الموظفين القادة يترددون في اتخاذ القرارات خوفاً من النتائج غير المتوقعة. إذا لم تقم القيادة بتغيير الثقافة المؤسسية لتتقبل «الخطأ التجريبي» المخطط له، فإن المؤسسة ستصاب بالجمود والبيروقراطية القاتلة. سيصبح الخطأ جزءا مقبولا في ثقافة المؤسسات، فالمؤسسات التي لا تطيق التجريب والابتكار تضحى بعيدة ومتخلفة في العالم.
@hussainhalsayed
في الأجزاء السابقة من سلسلة «القيادة من المنتصف»، رسمنا معاً الخريطة الميدانية لعبور الإدارة الوسطى؛ بدءاً من الخروج من «فخ السندويش الإداري»، ومروراً بمهارات «المترجم الاستراتيجي»، و»التأثير الأفقي»، و»إدارة العلاقة صعوداً»، و»حماية الفريق»، ووصولاً إلى...
في مقالاتنا الأربعة السابقة من سلسلة «القيادة من المنتصف»، تعمقنا في تفكيك «تحدي السندويش الإداري»، ومهارة «المترجم الاستراتيجي»، وآليات «التأثير الأفقي «، وفن «إدارة العلاقة صعوداً». واليوم، نصل إلى دور هو الأهم في بناء الثقافة...
في المقالات الثلاث الأولى من سلسلة «القيادة من المنتصف»، ناقشنا كيفية التعامل مع «تحدي السندويتش الإداري»، ومهارة «المترجم الاستراتيجي» في تفكيك الشعارات الكبرى، وآليات «القيادة بلا صلاحيات» للرد والتأثير أفقياً مع الأقران. واليوم، نصل إلى...
في المقالين السابقين من سلسلة «القيادة من المنتصف»، تناولنا كيفية الخروج من « تحدي السندويتش الإداري» ، ثم انتقلنا إلى مهارة «المترجم الاستراتيجي» في تحويل الرؤى الكبرى إلى مهام تشغيلية. واليوم، نصل إلى اختبار إداري...
في مقالنا الأول من سلسلة «القيادة من المنتصف»، فككنا أبجديات الخروج من «تحدي السندويتش الإداري» وكيفية إدارة الضغط المزدوج بين الإدارة العليا والميدان التشغيلي. واليوم، ننتقل لبناء أحد أهم المهارات النوعية التي تنقل قائد المنتصف...
تحدي «السندويتش الإداري».. كيف يدير قائد المنتصف الضغط المزدوج؟ إذا كانت الإدارة العليا هي «الرأس» الذي يرسم الرؤى والتوجهات الاستراتيجية، وكانت الطواقم التشغيلية هي «الأيدي» التي تنفذ المهام الميدانية، فإن مدراء الإدارة الوسطى ورؤساء الأقسام...
على مدار تسعة مقالات متتالية من سلسلة «سنة أولى قيادة»، فككنا معاً الخريطة السلوكية والنفسية للتحديات التي تواجه القادة الجدد؛ من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، وتحول «الهوية المهنية»، وضبط «حماس التغيير المتسرع»، وممارسة «الذكاء...
في سلسلة مقالاتنا المتواصلة حول «سنة أولى قيادة»، قطعنا شوطاً كاملاً في تشريح التحولات الجوهرية للقيادات الجديدة؛ بدءاً من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، مروراً بعبور جسر «تحول الهوية»، وكبح جماح «التغيير المتسرع»، واختبار «الذكاء...
في سلسلة مقالاتنا المتواصلة حول «سنة أولى قيادة»، فككنا التحديات الهيكلية والسلوكية التي تشكل الوعي الإداري للقائد الجديد؛ بدءاً من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، مروراً بعبور جسر «تحول الهوية «، وكبح جماح «التغيير المتسرع»،...
في سلسلة مقالاتنا المتواصلة حول «سنة أولى قيادة»، قطعنا شوطاً مهماً في تفكيك التحولات الهيكلية والنفسية التي تشكل تجربة القيادات الجديدة؛ بدءاً من التحرر من «فخ الإنجاز الفردي»، مروراً بعبور جسر «تحول الهوية المهنية من...
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، مروراً بـأزمة تحول الهوية المهنية، ووصولاً إلى ضغط إثبات الذات. وأخر مقال تحدث عن تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. وفي...
في السلسلة المقالية السابقة، فككنا التحديات التي تواجه القائد الجديد؛ بدءاً من فخ الإنجاز الفردي، مروراً بـأزمة تحول الهوية المهنية، ووصولاً إلى ضغط إثبات الذات. وأخر مقال تحدث عن تحدي إدارة العلاقات والذكاء العاطفي. التحدي...