تقرير تنقصه الحقائق..!
06 ديسمبر 2014 , 07:18ص
هو في نهاية الأمر ليس أكثر من تقرير، كما لو كان كتبه أحد الإعلاميين، وما أكثرهم في الصحف القومية أو الخاصة، أو أحد برامج الفضائيات المصرية، ولا يمت بصلة إلى كونه صادرا من لجنة قومية مستقلة لجمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق، التي واكبت أحداث 30 يونيو 2013 وما أعقبها، والتي شكلها الرئيس الانتقالي المستشار عدلي منصور في ديسمبر من العام الماضي، رغم أنها ضمت نخبة من رجال وأساتذة القانون في مصر. فكل سطر في التقرير، يحمل وجهة نظر سياسية منحازة تماماً، رغم كل ما قاله رئيسها، من أن اللجنة لا تدين طرفا، لأنها ليست سلطة، ورغم ذلك فقد حمّل التقرير مسؤولية كل ما حدث إلى جماعة الإخوان المسلمين. أما الإشارات إلى الطرف الآخر، وهي الحكومة والأجهزة الأمنية فجاء عرضا، وفي أضيق حدود، ولعل القراءة المتأنية في ملخص التقرير، تكشف عن كثير من المؤشرات على ما نقول:
أولا: هناك ملاحظة شكلية على تقرير وفلسفة وعمل اللجنة، كانت وراء تلك الحصيلة المحدودة، بعد جهد استمر أقل من عام، وهي الرغبة في أن يمتد عملها، ليشمل كل شيء من أحداث 30 يونيو وتداعياتها، فكانت النتيجة أنها لم تقل شيئا محددا، أو واضحا، على الرغم من أن قضية فض رابعة العدوية والنهضة، تحتاج إلى عمل اللجنة، ولكنها شتت جهدها في البحث في العديد من الملفات، ومنها أحداث المنصة والحرس الجمهوري، وحرق الكنائس، والأوضاع في الجامعات في العام الدراسي الماضي والحالي، والإرهاب في سيناء، والأوضاع في السجون، وآليات مكافحة الإرهاب، وحتى عمليات العنف ضد النساء والأطفال، وكلها قضايا من حيث الشكل والموضوع، قد تكون مرتبطة بالأزمة السياسية في مصر منذ 25 يناير، ولكن كل ملف فيها يحتاج إلى لجنة لتقصي الحقائق.
ثانيا: يظهر التسييس الواضح في التقرير، من خلال إشارة اللجنة إلى أن الإخوان ناصبت العداء لكل من القوات المسلحة والشرطة والإعلام والأحزاب والأزهر والكنيسة، وهي مغالطة شديدة وحكم متعسف وخلط بين الإخوان كتنظيم ورئاسة الجمهورية، والأخيرة وقبل أحداث 30 يونيو، كان الدكتور محمد مرسي في آخر خطاباته، حريصا على الإشادة بالقوات المسلحة ورجالها، والشرطة وقوات الأمن، رغم أن وزارة الداخلية هي من اعتبرت نفسها في إجازة من العمل طوال مرحلة حكم الدكتور محمد مرسي، كما أن الإعلام كان «رأس الحربة»، في استهداف النظام السابق، ولم يأل جهدا في الهجوم غير الموضوعي واستباحة الرئيس، رغم أن الإعلام تمتع بحرية وبمعدلات غير مسبوقة في التاريخ المصري، وصلت إلى حد التجريح والسب في حق رئيس الجمهورية، دون أن يتم استبعاد إعلامي أو استهدافه بأي صورة من الصور، كما أن الواقع ينفي تماماً مسألة العداء مع الأحزاب، خاصة مع إلحاح الرئاسة المستمر على ضرورة الحوار تجاه أي قضايا، وتلك الأحزاب هي من قطعت خيوط التواصل، بعد مرور عدة أشهر فقط على تولي الدكتور محمد مرسي منصبه، وتحديدا بعد إصدار الإعلان الدستوري الذي تراجع عنه، وتشكيل جبهة الإنقاذ، كما أن استهداف الأزهر والكنيسة يحتاج إلى أدلة وبراهين تؤكده، فالواقع يشير إلى غير ذلك، وأن رأس الكنيسة هو من جاهر بالعداء، وفي تصريحات واضحة لا لبس فيها.
ثالثا: من الملاحظات الجديرة بالانتباه، والتي تؤكد عدم دقة الاتهامات والوقائع، غياب أي راوية متكاملة من الطرف الآخر، وهم في هذه الحال الإخوان وحزب الحرية والعدالة، وقد يكون الأمر مبررا هنا، لأن قيادات الجماعة داخل وخارج السجون لم تتعاون مع اللجنة، ولم تقدم شهاداتها، ولكن البديل لا يكون أبداً الاعتماد على محاضر الشرطة أو تحقيقات النيابة، ومن البديهي تماماً عدم الاعتداد بمحاضر الشرطة على الأقل، باعتبارها طرفا غير محايد، بل متهما في تلك الأحداث، ناهيك عن قضية إحراق الكنائس، تم تحميل كل تلك الجرائم للإخوان المسلمين، دون تقديم أي أدلة أو براهين على تلك التهم، خاصة أن أيا من الإخوان لم يعرض على القضاء بتهمة حرق الكنائس.
رابعا: الخلط الواضح بين مجموعة جرائم أنصار بيت المقدس وبين جماعة الإخوان المسلمين، خاصة أن الأولى أعلنت مسؤوليتها عن العديد من العمليات ومنها اغتيال عدد من رجال الشرطة، واستهداف وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، والعمليات الإرهابية في سيناء، وتفجير عدد من مديريات الأمن، في الدقهلية والقاهرة والإسماعيلية، بل أصرت اللجنة على تحميل جماعة الإخوان المسلمين تلك المسؤولية، رغم أن هناك تنظيما واضحا ومحددا يعلن وينشر شرائط فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي حول تلك الجرائم، ولكن اللجنة والمفترض أنها قانونيه تسير في ركاب الإعلام الذي يروج لفكرة الخلط بين الجهتين، رغم أن التحقيقات التي تم إجراؤها مع عدد من الذين تم القبض عليهم من جماعة أنصار بيت المقدس، تكفر الإخوان ومحمد مرسي، لأنهم وفقا لما قالوه في التحقيقات، باعوا دينهم بدنياهم، ولم يطبقوا شرع الله.
خامسا: لم أفهم توصية اللجنة ضمن العديد من التوصيات التي قدمتها، بضرورة استكمال التحقيقات في واقعة انفردت بها، ولم يذكرها تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي صدر منذ شهور، أو تقرير هيومان رايتس وتش، والخاص بنقل جثث من أماكن وفاتها في مناطق المرج والسلام والنهضة والدقي والنزهة، إلى ميدان رابعة العدوية! رغم أنها تعاملت معها كحقيقة، واستخدمتها في محاولة النيل من تحالف دعم الشرعية، والهجوم على الإخوان، فإذا كانت اللجنة على يقين مما حدث، فلماذا التوصية باستكمال التحقيقات؟ ولم تذكر اللجنة في تقريرها ظروف وفاة المنقولين، هل كانت في إطار اشتباكات ومواجهات مع الشرطة أم لأسباب جنائية أم في حوادث طرق؟ فإذا كانت الأولى فهم ضحايا كما هي حالة المئات الذين ماتوا في رابعة العدوية، أما إذا كان غير ذلك فهي جريمة تزوير، ولكن لم تتم إدانة أحد بها.
سادسا: لم أفهم تحميل مسؤولية استشهاد المئات من المعتصمين للداعين إلى الاحتشاد، ولن أتوقف عند الخلاف حول الأرقام، مع إيجاد مبررات لأجهزة الأمن وقوات الشرطة، فقادة الاعتصام هم من حشدوا الناس كما يقول التقرير وهم من سلحوا بعض الأفراد وأقاموا الخيام كما تدعي اللجنة.. أما الشرطة، فقد اضطرت للرد، إلا أنها أخفقت في التركيز على مصادر النيران المتحركة بين المعتصمين، مما زاد من الضحايا، ويعني ذلك أن استخدام الشرطة للسلاح كان عشوائيا، والنتيجة من عندنا نحن، ولم تذكرها اللجنة ولا تقريرها، وإن كانت في التوصيات قد أشارت إلى المطالبة بتعويض الذين سقطوا نتيجة الاشتباكات المسلحة ولم يثبت تورطهم في أعمال عنف أو التحريض عليه، دون أن يقول لنا التقرير آلية تنفيذ تلك التوصية، أو التأكد من نوعيات المتوفى البريء من العنف، والآخر المتورط فيه، والذي سيتم حرمان أهله من التعويضات إذا قامت الحكومة بصرفها.
ولعل الإيجابية الوحيدة في التقرير، المطالبة بإدخال تعديلات على قانون التظاهر. وها هو تقرير جديد، رغم كل ما شابهه من تقصير وانحياز واضح وتسييس لا يخفى على أحد، مصيره إلى الأدراج والنسيان.
usama.agag@yahoo.com •