


عدد المقالات 369
رغم توصل طرفي الخلاف في السودان وجنوب السودان إلى اتفاق شمل السياسة والأمن والنفط. لكن بقيت عقدة أبيي عصية على الحل. فأرجئ أمرها إلى وقت آخر. فأين تكمن العقدة المستعصية؟ اكتسبت أبيي خصوصيتها من كونها أرضاً شمالية ذات أغلبية سكانية تعود أصولها إلى قبيلة جنوبية. هذا وضع لا تنفرد به أبيي وحدها بل تتعدد الأمثلة المشابهة مثل إقليم أوغادين الإثيوبي ذي الأغلبية الصومالية أو إقليم خوزستان العربي في إيران والصومال الكيني في كينيا وعرب لواء الإسكندرون في تركيا وعرب 48 في الخط الأخضر في إسرائيل. هذه (الجيوب) بقيت داخل هذه الدول التي تمسكت بصرامة بحدودها السياسية ولم تستجب لدعاوى تاريخية أو ادعاءات إنسانية حول شتات القبيلة والأهل. ولم ترفض هذه الدول منح هذه الأقليات ذات الامتداد (الخارجي) حقوقهم كاملة. وبالفعل تولى عدد من صوماليي أوغادين مواقع رفيعة في إثيوبيا. وهكذا الحال بالنسبة لعرب خوزستان. واختار البعض الهجرة لوطن آخر كما فعل بعض مسلمي الهند الذين هاجروا لباكستان بعد تقسيم شبه القارة الهندية. ويُعرفون في باكستان بالمهاجرين. ومنهم الرئيس السابق برفيز مشرف. هكذا هو حال أبيي. أرض شمالية تقطن فيها أغلبية دينكاوية. وكان من الممكن أن يبقى فيها الدينكا مثل الأقليات التي ذكرنا، إلا أن المفاوض الجنوبي في نيفاشا نجح في انتزاع حق تقرير المصير لأبيي، ثم فطنت الحكومة في الشمال إلى أن هذا البند في اتفاقية السلام الشامل سوف يقود إلى تبعية أبيي للجنوب. فحاولت تلافي الغفلة بالالتفاف حول القرار بالجدال حول من يصوت في الاستفتاء. حتى يتم إغراق القرار بأغلبية مسيرية تجعل تبعية أبيي للسودان. وهي تبعية تقرها حدود 56 لولا تطوع المفاوض الشمالي في نيفاشا بقبول الاستفتاء حول أرض شمالية. هذه المحاولة لن تصمد طويلاً لأن القول بتصويت المسيرية يشبه القول بتصويت الإثيوبيين لتحديد مصير أوغادين أو أن يصوت الأتراك لتحديد مصير لواء الإسكندرون. ثغرة واحدة هي التي يمكن أن ينفذ منها المفاوض الشمالي هي التفاوض حول حدود أبيي بدلاً عن الجدل حول من يصوت في أبيي. هذه الثغرة هي قرار محكمة لاهاي الذي عدّل حدود أبيي بعد رفض الشمال لقرار الخبراء. وأعيد التذكير أن اتفاقية نيفاشا قد أقرت تشكيل لجنة فيها خبراء أجانب وممثلون للطرفين يعهد إليها بحل أي إشكال يطرأ بين الطرفين في موضوع أبيي، لكن الخبراء الأجانب (تطوعوا) بتحديد حدود لأبيي وأعطوها مساحة أزعجت السلطة في الخرطوم. وهكذا تحول الخبراء من أداة لنزع فتيل أي أزمة محتملة إلى أداة لخلق مشكلة لم تكن موجودة حين جعلوا لـ (أبيي) حدوداً لم يحلم بها دينكا نقوك. ويكفي للتدليل على شطح الخبراء أن المحكمة قلصت المساحة الواردة في تقرير الخبراء إلى أقل من النصف. وأعادت حقول نفط هجليج إلى السودان الشمالي. وأيدت ادعاء الخرطوم بأن الخبراء قد تجاوزوا اختصاصاتهم. وفلتت الخرطوم -بعدم اختصاص الخبراء- من خطر نهائية وإلزامية قرار الخبراء حسبما ورد في اتفاقية السلام الشامل. هذه السابقة تجعل في الإمكان مراجعة حدود أبيي مرة أخرى. كما أن المبدأ العام بقبول الطرفين التقاضي أمام المحكمة الدولية ساد على جزئية نهائية قرار الخبراء. ويبدو واضحاً أن الجنوبيين أنفسهم أحسوا بالمبالغة في تقرير الخبراء. وإلا لما ارتضوا بالتحكيم ومراجعة القرار. هذه السابقة تجعل في الإمكان تحقيق تعديل حدودي جديد بقرار سياسي من الطرفين، ثم يسعى الشمال لأن تكون المنطقة التي تحدد مصيرها في أقل مساحة ممكنة. وهي الثغرة الوحيدة التي تخفف من آثار قبول الشمال منح حق تقرير المصير لسكان أبيي. وهو ما لا يمكن الالتفاف عليه بمنح هذا الحق لمن لا تنطبق عليهم شروطه؛ حيث إن حق تقرير المصير يعطَى لأقلية ترى أن حقوقها مهضومة وسط طوفان الأغلبية الكبير. وقد كان في إمكان السودان أن يضع دينكا نقوك أمام خيار واحد فقط هو البقاء داخل الحدود السودانية بحقوق كاملة، أما وقد ارتضى المفاوض السوداني في نيفاشا منح سكان حق تقرير المصير فلن تعالج هذه العقدة إلا بتضييق مساحة أبيي. ولن تجدي محاولات أخرى مثل تصويت غير المعنيين ومثلما ليس ممكناً ولا منطقياً أن ينادي أحد بأن يصوت الشماليون لتحديد مصير الجنوب. فليس من المنطق في شيء أن تحدد مصير أبيي قبائل شمالية.. وإلا فلماذا أعطيت (أبيي) حق تقرير المصير أصلاً؟
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...