alsharq

ياسر الزعاترة

عدد المقالات 611

دولة بوليسية وتطارد الفقراء في آنٍ.. إلى أين؟

06 يوليو 2014 , 02:00ص

كانت سياسة حسني مبارك الداخلية المعتمدة، بخاصة خلال الألفية الجديدة، وفي سياق من مساعي تمرير التوريث للنجل الحبيب (جمال)، هي الإبقاء على دعم السلع الأساسية لإسكات الناس، من دون الالتفات إلى حجم المديونية الذي يتراكم بشكل مجنون، في ذات الوقت الذي يصول فيه الفاسدون ويجولون عبر تحالف بين السلطة والثروة وأجهزة الأمن، فيراكمون خلال سنوات محدودة ثروات فلكية لا علاقة لها بالربح المشروع.

جاء مرسي إلى السلطة ليجد مديونية رهيبة وخزينة فارغة، وأوضاعا اقتصادية في منتهى البؤس، وبدلا من أن يصارح الشعب بالحقيقة (فعل ذلك في آخر أيامه)، ذهب يداري ويحاول ما أمكنه ذلك البحث عن منافذ لتحسين الوضع الاقتصادي، وكانت حكومة هشام قنديل، حتى بشهادة أعداء مرسي ذات أداء جيد في العموم (نتذكر هنا حكاية وزير التموين (باسم عودة) الذي حُكم بالإعدام بعد رفضه المشاركة في حكومة ما بعد الانقلاب، والتي تشكل فضيحة من العيار الثقيل، حيث كنا أمام أنجح وزير تموين في تاريخ مصر).

لم يُمنح الرجل (أعني مرسي) أية فرصة، فكانت الدولة العميقة كلها تطارده، من الأمن إلى الجيش إلى القضاء والإعلام، وحتى المؤسسات المدنية الأخرى كانت تعمل على إفشاله، طبعا بأوامر من المؤسستين العسكرية والأمنية.

جاء السيسي محمولا على أكتاف قوميين ويساريين وثوريين يتحدثون عن العدالة الاجتماعية، وعن استكمال لأهداف ثورة يناير، ومعهم ليبراليون يتحدثون عن ديمقراطية بعيدة عن «ثيوقراطية» الإخوان، لكن ما يتابعه المصريون هذه الأيام لا يمت إلى كل تلك الشعارات بأدنى صلة.

كانت ثورة يناير في جوهرها ثورة حرية أكثر منها ثورة جياع، فمن وقفوا في الميادين وتحركوا في المسيرات كان أكثرهم من أبناء الطبقة المتوسطة الذين هالهم قمع السلطة وفسادها في آن، في ذات الوقت الذي كانوا يرفضون فيه شطب دور مصر وحضورها من أجل تمرير التوريث.

اليوم، ينقلب الوضع إلى ما هو أسوأ بكثير من أيام مبارك الأخيرة، فالقمع والتعذيب ومحاصرة الحريات (في مقدمتها حرية الإعلام) لا تحتاج إلى أدلة عليها، إذ تتبدى الدولة البوليسية في أبشع صورها على الإطلاق، من أحكام إعدام بالجملة، إلى انتهاكات وتعذيب واغتصاب وأشكال شتى من القمع يندى لها جبين الإنسانية.

هنا يمكن القول إن ما ثار الناس ضده في يناير، يحضر الآن بصورة أبشع بكثير، لكن ما أضيف إليه اليوم هو أن ما كان يفعله حسني مبارك للفقراء من أجل إسكاتهم لم يعد موجودا، إذ يبادر السيسي إلى رفع الدعم التدريجي عن المحروقات، ولكن في سياق من استهداف الفقراء بدل الأغنياء، إذ إن الطبيعي أن يكون الرفع أعلى في حالة بنزين الأغنياء مثلا، مقابل رفع أقل فيما خص بنزين الفقراء، لكن الأمر كان معاكسا.

اليوم يريد السيسي من الناس أن يضحوا، من دون أن يقول لهم لماذا على الغالبية الفقيرة أن تضحي، ولصالح الطبقة الغنية، ولماذا لا تفرض الضرائب على الأغنياء مقابل محاباة الفقراء، وهم الغالبية؟ أليس ذلك هو منطق العدالة الاجتماعية؟ وهو ما يُعتمد حاليا في أكثر الدول الأوروبية الطاعنة في الرأسمالية، وإن بطرق مختلفة. ولعل الأسوأ فيما جرى أنه يأتي وسط دعم هائل من بعض دول الخليج هدفه تثبيت الانقلاب، وهو دعم لن يستمر بذات الوتيرة، ما يعني أن القادم سيكون أسوأ على صعيد مطاردة قوت الفقراء.

السيسي اليوم يطارد أحلام الفقراء الذين رقص بعضهم في الساحات احتفالا به، لكنه يستهزئ أيضا بالطبقة المتوسطة التي ثارت في يناير ضد القمع، وجاء هو ليستكمل لها ثورتها بحسب زعمه، وبالتالي فإن الوضع الطبيعي أن تلتحم الطبقتان ضده في ثورة جديدة.

والحال أن مدد الشارع لم يتوقف منذ الانقلاب، في مشهد صبر وبطولة وصمود استثنائي، وذلك رغم عشرات الآلاف من المسجونين والمعذبين والمنفيين، لكن هذا الحشد الراهن لا يكفي لإسقاط انقلاب يحظى بدعم عربي وإقليمي وعالمي لحسابات مختلفة، في ذات الوقت الذي يقف معه العسكر والأمن والقضاء والإعلام، ونسبة من الناس، وإن أخذت في التراجع بمرور الوقت.

لمواجهة انقلاب يحظى بكل هذه الميزات، لا بد من حشد أكبر، والتحام أفضل بين الجماهير بمختلف طبقاتها وأفكارها، وهو ما سيحدث بمرور الوقت على أية حال، ولا ينبغي أن يكون لدينا شك في أن المسيرة ستتواصل، وستصل غايتها مهما طال الوقت وعظمت التضحيات، بخاصة إذا التزمت بسلميتها، ولم تمنح النظام فرصة خلق معركة ضد «الإرهاب» تحرف أنظار الناس عن بؤسه وجرائمه واستهدافه للمجتمع برمته عبر دولة بوليسية باطشة لا همَّ لنخبتها غير تثبيت سلطتها ومكاسبها بأية وسيلة كانت.

عن كتاب «قراءة استراتيجية في السيرة النبوية»

هناك إشكالية كبرى واجهت وما زالت تواجه القراءة الإسلامية التقليدية للسيرة النبوية في أبعادها السياسية والعسكرية أو الاستراتيجية، وتتمثل في حصر الأمر في الأبعاد الإيمانية وحدها دون غيرها، وجعل التقدم والتراجع، والنصر والهزيمة، محصوراً فيها؛...

ما هو أسوأ من مخطط الضمّ

ها نحن نتفق مع صائب عريقات، مع أننا كثيراً ما نتفق معه حين يتحوّل إلى محلل سياسي، رغم أن له دوراً آخر يعرفه جيداً، وإن كانت المصيبة الأكبر في قيادته العليا التي ترفض المقاومة، وهي...

فقراء العرب بعد «كورونا» والأسئلة الصعبة

أرقام مثيرة تلك التي أوردتها دراسة نشرت مؤخراً للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، بشأن الفقر في المنطقة العربية، والتباين الطبقي فيها. قالت الدراسة إن مجموع الثروة التي يملكها أغنى 31 مليارديراً في المنطقة؛ يعادل...

ترمب في شهور الهذيان.. ماذا سيفعل؟

منذ ما قبل فوزه بانتخابات الرئاسة، يمثّل ترمب حالة عجيبة في ميدان السياسة، فهو كائن لا يعرف الكثير عن السياسة وشؤونها وتركيبها وتعقيدها، وهو ما دفعه إلى التورّط في خطابات ومسارات جرّت عليه سخرية إعلامية...

عن «كورونا» الذي حشرنا في خيار لا بديل عنه

الأربعاء الماضي؛ قال الدكتور مايك رايان، المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ بمنظمة الصحة العالمية، إن فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19)، «قد لا ينتهي أبداً»، و»قد ينضم إلى مزيج من الفيروسات التي تقتل الناس في جميع...

بين ساسة التطبيع وصبيانه.. والصهينة أحياناً

بين حين وآخر، تخرج أنباء من هنا وهناك تتحدث عن لقاءات تطبيعية عربية من العيار الثقيل، ثم يتم تداولها لأيام، قبل أن يُصار إلى نفيها (أحياناً)، والتأكيد على المواقف التقليدية من قضية الشعب الفلسطيني. هناك...

مشروع التصفية الذي لم يوقفه «كورونا»

في حين تنشغل القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية بقضية «كورونا» على نحو أكثر تشدّداً من الدول الأخرى (عقدة الدولة قبل تحرير الأرض هي أصل المصائب!)؛ فإن سؤال القضية الأساسية للشعب الفلسطيني يتأخر قليلاً، لولا أن...

أيهما يتفوّق: «كورونا» المرض أم «كورونا» الاقتصاد؟

الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، يقيل وزير الصحة؛ وذلك بعد خلافات بينهما حول جدل «الاقتصاد أم الأرواح». حدث ذلك رغم ما حظي به الوزير من شعبية واسعة في البلاد، بسبب مكافحة تفشّي وباء فيروس كورونا. ترمب...

عن أسئلة «كورونا» وفتاواه

منذ أسابيع و»كورونا» هو شاغل الدنيا ومالئ الناس، ولا يتقدّم عليه أي شيء، وتبعاً لذلك تداعياته المحتملة على كل دولة على حدة، وعلى الوضع الدولي بشكل عام. وإذا كانت أسئلة المواجهة بشكل عام، ومن ثَمّ...

عن الرأسمالي الجشع والمواطن الفقير في زمن «كورونا»

ماطل ترمب كثيراً في اتخاذ أي إجراء في مواجهة «كورونا» من شأنه أن يعطّل حركة الاقتصاد، ولولا ضغوط الدولة العميقة لواصل المماطلة، لكنه اضطر إلى التغيير تحت وطأة التصاعد المذهل في أعداد المصابين والوفيات، ووافق...

«كورونا» والدول الشمولية.. ماذا فعلت الصين؟

في تحقيق لها بشأن العالم ما بعد «كورونا»، وأخذت من خلاله آراء مجموعة من الخبراء، خلصت مجلة «فورين بوليسي» الشهيرة إلى أن العالم سيكون بعد الجائحة: «أقل انفتاحاً، وأقل حرية، وأكثر فقراً». هي بشارة سوء...

عن «فتح» من جديد.. أين الآخرون؟

نواصل الحديث عن حركة «فتح» أكثر من «حماس» التي اختلفنا معها حين خاضت انتخابات السلطة 2006، وكذلك إثر الحسم العسكري في القطاع رغم مبرراته المعروفة، والسبب أن الضفة الغربية هي عقدة المنشار في مشهد القضية...