


عدد المقالات 80
ما أحلى وصفَ الأمير «أحمد شوقي» الذي لم نزل نتذوقُه الظبيَ المرتاعَ؛ وكأننا في حديقة غنَّاء نشهدُ فيها ارتياع الظباء، من بنات حواء: رَوّعوه فتولَّى مُغضباً ** أَعلِمتم كيف ترتاعُ الظِّبا؟ خُلِقَتْ لاهِيَةً ناعِمَةً رُبَّما رَوَّعَها مُرُّ الصَّبا! وكم طربنا لقصيدته الغزلية العفيفة الراقية المعاني. عدتُ اليوم أقرؤها فوجدتُ لها لذة عجيبة وكأني لم أترنم بها في صغري: خَدَعوها بِقَولِهِم حَسناءُ وَالغَواني يَغُرُّهُنَّ الثَناءُ!! ألا تريدها أن تغترَّ بثنائهم وأنت تعترف لنا ولها بأنها غانية؟! عجباً! أليست الغانية هي من استغنَتْ بجمالها وحسنها عن المجملات والمحسنات و(المكياج)، والشعر الاصطناعي (الباروكة)، وعمليات العبث في خَلقِ الله، اللاتي يسمونها عمليات التجميل؟ وهي في حقيقتها بإجماع الجنِّ (عملياتُ تقبيحٍ)! دعها تغترَّ بمدحهم، فلا تثريبَ عليها! ومن عظيم جمالها تساقط الناس عند قدميها، فنسيَتْ هي في زحمة العشاقِ اسمك! هذا ظنُّك بها، وإنَّ بعض الظنِّ إثمٌ، حفظ الله الأمير: أَتُراها تَناسَتِ اسمِيَ لَمَّا كَثُرَتْ في غَرامِها الأَسماءُ؟! لماذا تحرص عليها وأنت تظنها مخدوعة بقيل الناس؟! لكنك أبدعتَ أيما إبداعٍ في غموض لفظك، فجعلتنا في حيرة من أمرنا، نضربُ كفاً بكفٍّ، فكَّرنا كثيراً فلم نصل إلى شيء؛ لقد حيّرتنا أيها الأمير بازورارها عنك إن رأتك كازورار الظبي الشارد، وأدهشتَ عقولنا بأشيائكما: إِن رَأَتني تَميلُ عَنّي كَأَن لَم تَكُ بَيني وَبَينَها أَشياءُ!! رحمك الله، قل لنا شيئاً من هذه الأشياء وأرحنا؛ كي لا تذهب الظنون كل مذهب! علمنا أنك أميرٌ صاحبُ أنَفةٍ، لكن عينك أوقعتك في شراكها، فابتسمتَ فابتسمتْ، فسلَّمْتَ، فردَّت السلام، فتكلمتَ فتكلَّمَتْ، فمواعدةٌ، فلقاءٌ فيه ما فيه على ذمَّتِك: نَظرَةٌ، فابتسامَةٌ، فسلامٌ فكلامٌ، فموعدٌ، فَلِقاءُ وبعد الفراق يكون الحكمُ والمصير: ففِراقٌ يكونُ منه دواءٌ أو فِراقٌ يكونُ منه الداءُ! زدتنا حيرةً أيها الأمير! ليتك قلتَ فلقاءٌ حتى تزول بعضُ الحيرة. والذي يجعل القلوب ترفرفُ شوقاً إلى مجالسك يا شوقي خيالُك الواسعُ الغامضُ، وأحلى الأمور ما كان فيه غموضٌ يغازلُ الفضولَ: يوم كُنَّا ولا تَسلْ كيف كُنَّا نتهادى من الهوى ما نشاءُ فنعود سائلين: كيف كنتم؟! وما هدايا الهوى التي كانت بينكما؟! ألم أقلْ لك إنَّ فينا فضولاً مؤرِّقاً؟! ولله درُّك إذ جعلتَ العفافَ رقيباً: وعلينا من العفاف رقيبٌ تَعِبتْ في مِراسه الأهواء وليس هذا بدعاً من أمرك، فقد كررته كثيراً في شعرك: مِلءُ بُردَينا عَفافٌ وَهَوًى حَفظَ الحُسنَ وَصُنتُ الأَدَبَا ويأبى كبرياء الأمير إلا أن يُصوّر لنا لحظةً هو فيها عزيزٌ، وهي تنازعه كبرياءه بنصيحةٍ هي فيها في غاية التوسل إليه: جَاذَبَتْني ثَوبيَ العَصيِّ وقالَتْ أنتم الناس أيها الشعراء! كأني بها متعلقةً بأطراف ردائك الذي تسحبه أنت شموخاً وكبرياء، وهي تسحب حبالَ عطفك بعواطفها، لعلك تصغي، فيرقّ قلبك، كأني بها تتذلل وتقول: فَاتّقوا الله في قُلوبِ الْعَذَارَى فالعذارى قُلوبُهُن هَواءُ! رحم الله أمير الشعراء!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...