


عدد المقالات 307
طُرحت أسئلة أساسية في جلسات المؤتمر الذي نظمته وزارة الأوقاف القطرية الأسبوع الماضي. وما كان للعنوان «الوحدة الوطنية والعيش المشترك» أن يفرض نفسه لو لم يكن هذان «العيش» و»الوحدة» في خطر حقيقي وليسا تحت التهديد فحسب. وأن تكون المؤثرات والضغوط خارجية فهذا ليس بجديد وأمكنت مواجهته على مر العهود، أما أن تصبح المشكلة داخلية، أي أن تضعف قدرة شعوب العالم العربي على صون وحدتها وعيشها، فهذا هو الخطر المحدق. بل إنه بات خطراً محققاً، ولا تنفك معالمه تتكاثر، وإذ شكّل انفصال جنوب السودان عن شماله دليلاً موثّقاً دولياً، فإن الرحيل القسري المؤلم لمسيحيي العراق والقلق الوجودي الذي يمرّ به مسيحيو سوريا والاعتداء المنهجي على أقباط مصر مثّلت حالات ممضّة لفشل العيش المشترك عند أول اختبار دقيق للمجتمعات في سعيها إلى تصفية تركة أنظمة الاستبداد. ثمة مفارقات لا بدّ من ملاحظتها. منها أن غير المسلمين واصلوا العيش في الشرق في ظل الإسلام بل بحماية من حكمه وسلطته، لكن اجتياح التطرف والعنف الإسلاميين راهناً ماضٍ في اقتلاعهم وإقلاقهم، ما يعني أن المسلمين الأقرب تاريخياً إلى الإسلام كانوا أكثر قبولاً لأسباب التعايش كما تُستشفّ من التراث، أما مسلمو «عصر الحداثة» فلم يبتعدوا فقط عن روح هذا التراث بل ابتعدوا كثيراً عن الإسلام نفسه ولم يستوعبوا روح العصر ولم يبتكروا نهجهم الحداثي الخاص، ولعلهم بالأحرى استعادوا روح الجاهلية وغزواتها، حتى إن الاجتهادات العقلانية والتوفيقية لم يلقَ أصحابها سوى النبذ والتعنيف. الأسوأ أن الواقع بات ينبئ الآن بأن قضية غير المسلمين في صدد أن تكون «ثانوية» ومتجاوزةً، رغم أهميتها القصوى، ويكاد الاقتصاد (والتكتّم) في مقاربتها يصوّرها كأنها حدث عادي ومتوقع، أو كأن لا مسؤولية للمسلمين في ما يحصل لهم. فالأولوية تُعطى حالياً لصراعات إسلامية – إسلامية (أو هكذا تصف نفسها) تجعل مسلمين في بلد واحد ومجتمع واحد مرشحين بدورهم للانكفاء أو حتى الرحيل القسري، أي عاجزين عن التعايش، ناهيك عن الوحدة «الوطنية». ومن المفارقات التي تبرز هنا أيضاً أن «الإسلاميين» (ما يفرّقهم عن «المسلمين» هو الأدلجة أو التأدلج) لا يعترفون أولاً بأن لديهم مشكلة مع «الوطن» ومفهومه الاجتماعي، ولا يتعرفون بالتالي بأنهم صاروا هم أنفسهم مشكلة لـ «الوطن». لكن «الأوطان» موجودة، رغماً عنهم، في وعي المسلمين وفي تصوّراتهم لحياتهم ومستقبلهم. ولو دفع «الإسلاميون» بالتحليل أكثر نحو العمق لوجدوا أن ما يصبون إليه من «وحدة» في كنف «دولة الخلافة» أو «الدولة الإسلامية» ما عاد ممكناً تحقيقه بقتل «الأوطان» فكرةً وكياناتٍ بل بالعكس تماماً، وما عليهم سوى أن يتبصّروا في تجارب الأمم والدول الأخرى. أكثر ما استُدلّ إليه في نقاشات المؤتمر الذي دعت إليه وزارة الأوقاف القطرية هو أن ثمة إدراكاً كاملاً لعناصر البلبلة الراهنة، وأن الإشكالية التي ولدت أواخر عهد الدولة العثمانية وما رافقها من اجتهادات ودعوات إلى الإصلاح وإخفاقات في تحقيقه بسبب ضعف الحكم وقصور السلطة وضعف الإرادة آنذاك، أصبحت الآن مشكلة معاشة بكل تعقيداتها وبكل مخاطرها وتداعياتها المسيئة ليس للدول فحسب بل خصوصاً لما تعتبره مصدر تشريعاتها وسندها الرئيسي. كثيرون ذكّروا في النقاش بـ «التسامح» أو في الإسلام، وقليلون تساءلوا هل نملك فعلاً تراثاً تسامحياً وإذا كان هذا صحيحاً - وهو صحيح - فلماذا تأخر وعي المسلمين بـ «المواطنة» واعترافهم بها، ولماذا يخشون الاعتراف بـ «الحرية» ومن أين جاء هذا السيل من الفتاوى المخزية التي تبدأ باحتقار غير المسلم وتنتهي بالتمييز ضدّه وحتى ضد «غير الإسلامي» (غير المؤدلج)؟ لا بدّ أن المشكلة في التنشئة. كانت الخلاصات التي أدلى بها الشيخ راشد الغنوشي حاسمة وموحية. ففي وقفته المباشرة على تماس بين الفكر الإسلامي وتنظيراته وبين الواقع السياسي وتأزماته في خضم تحوّلات «الربيع العربي»، استنتج من التجربة التونسية الجديدة التي لا تزال متفاعلة حاجة ماسّة إلى «إدارة الخلاف» التي «نجحت شعوب الغرب في اكتشافها» فجعلت من الاختلاف ثراءً وتنوعاً. لكنه تساءل «هل نفعل مثل الغرب حين أقصى الدين عن السياسة»؟ ولديه الجواب الذي دأب الدارسون على تكراره: «المواطنة» بما تعنيه من مساواة، وقد صاغه بالآتي: «ثورات الربيع العربي لا تزال في اجتهادات لاستيعاب التعدّد، ونحتاج إلى التأسيس الإسلامي على قاعدة المواطنة»، وصولاً إلى القول: إن «مرحلة بناء الديمقراطية لا يسعها ترف حكم الغالبية، فالتوافق والتعايش ولو على حساب حزب معيّن يستحقان التضحية بالسلطة». في هذه الخلاصات أكثر من «مراجعة» تحتاجها تيارات الإسلام السياسي منذ زمن واحتاجتها أكثر مع اقترابها من الحكم أو انخراطها فيه. وهي تلتقي مع الخلاصة التي طرحها السيد محمد حسن الأمين بما يتجاوز مجرد التساؤل عن إمكان «فصل الدين عن الدولة»، فالدولة من شؤون الدنيا ولا يمكن أن تكون «مقَدَّساً يوازي الدين». ولعلها تلتقي أيضاً مع «الرؤية التجديدية» التي قدّمها الدكتور حسن الترابي للحرية الدينية، بما فيها نظرته الواقعية (الأكثر من تسامحية والآخذة حقائق التاريخ في الاعتبار) إلى أسباب انفصال مسيحيي السودان ودوافعه. كان المأخذ على أنظمة الحكم أنها ابتعدت عن الإسلام فانغمست في الاستبداد وقتلت تراث التسامح وثقافته، وأصبح فصل الدين عن الدولة مطلباً ملحّاً. لا شك أن مثل هذا النقاش مفيد لأنه يشخّص الداء ويقترح إصلاحات لكن المواجهة الإيجابية بين الإسلاميين وأزمات الحكم هي الكفيلة بإخراجهم من الصندوق الذي تقوقعوا فيه، وأصبح مطروحاً عليهم أن يتمايزوا بوضوح كامل عن جماعات التطرّف ودعاوى الكراهية: فالمطلوب في هذه اللحظة التاريخية «حماية التعدّد الديني والأثني لما يمنحه لشعوب العالم العربي من قوة وتماسك وانسجام وفعل في الحضارة الإنسانية». وهذه هي الخلاصة الشاملة والمتقدّمة التي توصّلت إليها الجهة المنظّمة للمؤتمر.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...