


عدد المقالات 80
عدتُ إليك يا أبا الطيب كما وعدتك!.. قل لي: هل تخاف قومَ محبوبتك كلما أردتَ زيارتها؟ وأنت الذي ملأتْ شجاعتُك الآفاق. ألستَ القائل: الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني ** وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ ألستَ أنتَ الذي تعجَّبَتْ من شجاعتِك الجبالُ والصحارى، وكنتَ تسافرُ منفرداً لا تجدُ مؤنساً إلا الأُسُودَ والذئاب؟: صَحِبْتُ فِي الفَلَواتِ الوَحشَ منفَرِداً ** حتى تَعَجَّبَ مني القُورُ وَالأكَمُ ما بالك تخافُ إذن من زيارتها؟ أخوفاً من السيوف؟!: متى تَزُرْ قَوْمَ مَنْ تَهْوَى زِيارَتَهَا ** لا يُتْحِفُوكَ بغَيرِ البِيضِ وَالأسَلِ يا أخي! لا تزر قومها! مالك ولقومها؟ أظنك أطعتني، وإلا كيف تشكو من مرارة صدِّها عنك، لقد هيَّجَ لي بكاؤك البكاء! ألم تبكِ من الفرح؟: نَرَى عِظَماً بالبَينِ والصّدُّ أعظَمُ ** ونَتّهِمُ الواشِينَ والدّمْعُ مِنْهُمُ صدقتَ والله! البُعدُ أمرٌ عظيمٌ، يُفتِّت الفؤاد، مؤلمٌ، لكنْ أن تكونَ هي قريبةً منك فتصدّ وتُعرِض عنك، فهذا أمرٌ أقسى على القلب من كُلِّ ألمٍ. ونخافُ من الوشاة الساعين بالتفريق بين الأحبة، وننسى أنَّ دموعنا تفضحنا، فكلما بكينا علمَ الناسُ أننا نعشق! ومَنْ لُبُّهُ مَع غَيرِهِ كَيفَ حالُهُ؟ ** ومَنْ سِرُّهُ في جَفْنِهِ كيفَ يُكتَمُ؟ نعم.. أتعجّبُ مثلك! فالذي يعيش بين الناس وكأنه ليس بينهم فهو لا يُفكّر إلا فيمن يحب، فكيف تتصور أن يكون حاله؟. والذي جعل أسراره كلها بين جفنيه، فكلما بكى انفضح، وقال عنه الناس: «هذا عاشق!»، فكيف يستطيع أن يكتمَ سِرَّه؟: ولمّا التَقَيْنا والنّوَى ورَقيبُنا ** غَفُولانِ عَنّا ظِلْتُ أبكي وتَبسِمُ! اعترفتَ الآن؟ بكيتَ يا أبا الطيب فرحةً؟! وأنت تتأمل في خجلها الساحر، وحمرة خديها، وصمتها وابتسامتها، وضحكها، فتزداد -أنت- بُكاءً؟! ما أروعك يا أحمد بن الحسين! عندما اعترفت لي بروعة تلك اللحظة!: فلَمْ أرَ بَدراً ضاحِكاً قبلَ وجْهِها ** ولم تَرَ قَبْلي مَيّتاً يَتَكَلّمُ!! أنت.. أول مرةٍ في حياتك ترى قمراً مكتملاً يضحك! وهي.. أول مرةٍ في حياتها ترى ميتاً يتكلم! ليست هذه أول مرة تبكي فيها يا أبا الطيب، فقد اكتشفتُ أنك رقيق القلب، سريع الدمعة، تهزك الذكريات، وتدمي قلبك أنفاسُ الأحبة حيثما وجدتَ لهم أثراً يُذكِّرُك بهم، بل حتى إبلُك «جِمالُك» تعرفُ أماكن ذكرياتك، فتكاد تبكي قبلك لكن تسبقها بالبكاء! أليس هذا عجيباً؟!: أجابَ دَمعي وما الدّاعي سوَى طَلَلِ**دَعَا فَلَبّاهُ قَبلَ الرَّكبِ وَالإبِلِ! أصحيحٌ أن الرَّكبَ كلهم بكوا؟ وأنَّ الإبل أيضاً بكتْ عندما وقفتْ على أطلال الأحبة؟! أتعلم لماذا؟ لأنك يا أبا الطيب هيَّجتَ أشجانهم ببكائك فبكوا.. وهيَّجتْهم أيضاً ذكريات الأطلال. رأوا دموعَك، وحاولت أنت أن تُخفيها عنهم فلم تستطع، نشيجُك فَضَحَكَ، فَعَذَرَك بعضُ أصحابك، وعَذَلَك بعضُهم: ظَلِلْتُ بَينَ أُصَيْحابي أُكَفْكِفُهُ ** وَظَلَّ يَسفَحُ بَينَ العُذْرِ وَالعَذَلِ لا ألومك.. أنت الآن تبكي فراق المحبوبة بعدما غابت عن عينيك، وقد كنتَ تبكيها وهي قريبةٌ منك، لا يحجز بينكما إلاَّ (الحجاب= الستارة الخفيفة في بيوت الشعر قديماً)، (الكلل) كما أسميتها يا أبا الطيب! وتعجب من استغراب أصحابك أن تبكي: أشكُو النّوَى ولهُمْ من عَبرَتي عجبٌ ** كذاكَ كنتُ وما أشكو سوَى الكِلَلِ يا أبا الطيب! إن كنتَ بكيتَ لمَّا رأيتَ أطلالك، وهاجت ذكرياتك، فإننا مثلك.. إذا زرنا بلادنا، وجبالنا، ومراتع الصبا، وبيوتنا القديمة... نبكي حيث لا ينفع البكاء!.
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...