


عدد المقالات 80
أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا**وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ أعظمُ الرِّجال هو الذي (لا يجعل عقله كمقبض الباب يدور في كل يد)، الذي لا تهزُّه سخافةٌ من سخيفٍ، ولا نقصُ عقلٍ من حقير، بل يفعل مثلما يفعل أبو الطيب؛ ينام ملء جفنيه عنهم، ومن الذي يستطيع ذلك إلا من امتلأ قلبُه رجولةً وشهامة. يبلغ به اليأس من زمانه كُلَّ مَبلغ، وأيةُ قيمةٍ لزمانٍ ليس فيه وطنٌ له يحنُّ إليه، ولا أهلٌ يأنس بهم، ويشتاقهم، ولا صاحبٌ صادقٌ ناصحٌ يبثُّه شكواه، ولا سكنٌ يلمُّ شتاته، ويُشعره بالأمان.. ما قيمة الحياة؟ وبِمَ يُعللُ نفسَه؟ بِمَ التّعَلّلُ لا أهْلٌ وَلا وَطَنُ وَلا نَديمٌ وَلا كأسٌ وَلا سَكَنُ؟ والمضحكُ أنه يطلبُ من زمانه العدل، وراحة البال، واطمئنان القلب، والزمنُ نفسُه عاجزٌ عن أنْ يجد العدلَ والراحةَ والطمأنينةَ! وقديماً قالوا: (فاقدُ الشيء لا يُعطيه). أُريدُ مِنْ زَمَني ذا أنْ يُبَلّغَني مَا لَيسَ يبْلُغُهُ من نَفسِهِ الزّمَنُ! ليس لهذا الحال علاجٌ إلا اللامبالاة!: لا تَلْقَ دَهْرَكَ إلاّ غَيرَ مُكتَرِثٍ ما دامَ يَصْحَبُ فيهِ رُوحَكَ البَدنُ! لا تكترث لدهرٍ لا يعرفُ قيمتَك وقدرَك، ولا لأناسٍ يعرفونك ويجهلونك، أو يتجاهلونك، لا تكترث فأنتَ أشرفُ منهم! دهرُهم دهرٌ غريبٌ، فالناسُ الذين يعيشون فيه ناسٌ صغارٌ؛ صغارٌ في عقولهم وتفكيرهم، وهممهم، وحبّهم، وبُغضهم، ولا يغرنّك منهم ضخامةُ أجسامهم، فإنهم صغارٌ!: ودَهْرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ وإنْ كانتْ لهمْ جُثَثٌ ضِخامُ! لا تُبالِ بأحدٍ، فإنَّ صديقَك هو نفسُك فحسب! وقد تسمع منهم الكلام الجميل، لكنّ دهرهم كفيلٌ بإسقاطهم من عينيك عند أول هزة أرضية من تحتهم!: خَليلُكَ أنتَ لا مَنْ قُلتَ خِلّي وإنْ كَثُرَ التّجَمّلُ والكَلامُ! انتبه! لا يخدعنك زهدُ الزاهدين، الذين يُزهّدونك في الدنيا وهم يأكلونه أكلاً لمًّا، فالمجد والمال إخوةٌ! فإنْ قلَّ مالُك، قلَّ مجدُك وهكذا: فَلا مَجْدَ في الدّنْيَا لمَنْ قَلَّ مَالُهُ وَلا مالَ في الدّنيا لمَنْ قَلّ مَجدُهُ! وما الذي أذلَّ أعناق الرجال إلا طلبُ المال؟! وانتبه أيضاً! إذا حصلت على المال فاشدُدْ عليه يديك، وإلاَّ فإنّ مجدك سيذهب إذا ذهب مالُك! هذا مذهب المتنبي الحكيم!: فَلا يَنحَلِلْ في المَجدِ مالُكَ كُلّهُ فيَنحَلَّ مَجْدٌ كانَ بالمالِ عَقدُهُ من كثرة توالي أحداث الزمان، وتتابع نوائب الدهر، لم يعد للمبالاة فائدة ترجى، فغيرها أجدى نفعاً منها: فَصِرتُ إِذا أَصابَتني سِهامٌ تَكَسَّرَتِ النِّصالُ عَلى النِّصَالِ وَهانَ فَما أُبالي بِالرَزايا لأنّي ما انتَفَعتُ بِأَنْ أُبالي!! من الناس من يأبى إلا أن يُذلَّ نفسه بمناطحة الجبال الشُمِّ التي تُطاول السماء شموخاً! هجا رجلٌ اسمه (السامريُّ) أبا الطيب في مجلس سيف الدولة بعد أن خرج أبو الطيب، فعلم المتنبي فعاد ووقف على مجلسهم ليعطي درساً في اللامبالاة بالصغار!: أسَامرِّيُّ ضُحْكَةَ كُلّ رَاءِ فَطِنْتَ وَكنْتَ أغْبَى الأغْبِيَاءِ؟! صَغُرْتَ عنِ المَديحِ فقلتَ أُهجَى كأنّكَ ما صَغُرْتَ عنِ الهِجاءِ! وَما فَكّرْتُ قَبلَكَ في مُحالٍ وَلا جَرّبْتُ سَيْفي في هَبَاءِ!! إلى اللقاء
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...