عن المعارضة السورية وخياراتها (2/2) تساؤلات في أسباب الشقاق
04 أكتوبر 2011 , 12:00ص
منذ أن بدأت حركة الاحتجاجات في سوريا، والكل يسأل، ترى لماذا لا تتوحد المعارضة السورية؟ هل هناك أسباب بنيويّة متعلقة ببنية المعارضة، أم هناك أسباب أيديولوجية، أي تعدد المشارب: قوميّة، إسلامية، فكريّة، أم هناك اعتبارات أخرى، وهل للنظام دور في بقاء حال المعارضة هكذا، وهل أثرت العلاقات والحساسيات التي تحكم بين رموز المعارضة على أن يبقى التشرذم سيد الموقف، ويحول دون توحيد صفوفها الذي ما فتئ وصار عبئاً على الشارع المنتفض؟ للوهلة الأولى يُستنتج بأن كل هذه الأسباب لها علاقة بتشرذم المعارضة السورية مضافاً إليها أسباب أخرى معوقة لتوحيد صفوفها ولاسيَّما العلاقة بين المعارضة الداخلية والمعارضة الخارجية، حيث بقيت هذه العلاقة مرهونة بتجاذبات ما بين السلطة والمعارضة، ما أدى إلى تعميق الفجوة بين المعارضتين.
والحق يقال إذا كان النظام له دوره وتوابعه في صفوف المعارضة قبل حركة الاحتجاجات فإنّ النظام الآن عاجز عن التأثير على أداء المعارضة، حتى إنّه عاجز عن د على من كان تابعاً له في صفوفها، ولا يخفى على أحد أنّ من كان تابعاً للنظام وسامعاً لإشاراته يوماً من الأيام يتجنب الظهور الآن، ولعل السبب يعود بالدرجة الأولى إلى أنّه لا يريد إحراق نفسه في ظل سيادة حركة الشارع على مسار التغيير في البلد، وهذا ما نراه على أرض الواقع إذ في عدد من المواقع رأينا ثمة أشخاصا وكتلا شاركوا في ندوات النظام، وكانوا محاضرين وملقين للخطاب المؤيد له، سواء بزي أيديولوجي أو فكري أو تستر بزي الدفاع عن الوطن ضد الهجمة «الإمبريالية العالمية»، وما أكثر المحاضرات والمقالات والافتتاحيات التي تهاجم العولمة وملحقاتها. واليوم شيئاً فشيئاً تريد هذه الكتل والشخصيات التهرّب من ذلك التراث الضخم المنعش بأيديولوجية اليسارية الخشنة. تجدر الإشارة إلى أنّ بعض هذه الشخصيات كانت قد تبنّت جزءا من خطاب المعارضة الداخلية ولاسيَّما الخطاب الذي تبناه مؤتمر «سميراميس» الأول للمعارضين المستقلين وذلك للدخول إلى ساحة التغيير من خلال هذا الخطاب. طبعاً يستثنى المفكر السوري طيب تيزيني من هذه الكتل، حيث تبنى تيزيني الفكر التغييري مع بداية الانتفاضة في سوريا.
في الحقيقة إنّ النظام نفسه يتجنّب الضغط على من كان يوماً من الأيام يعمل له عبر «ريموت كنترول»، ليس لأنّ النظام لا يحتاج لهم بقدر ما أنّهم لا يشكلون مقداراً لا معنوياً ولا مادياً، وذلك لضحل الفاعليّة لدى هؤلاء، وقد يكونون عبئاً على النظام نفسه.
ثمة من يرى أنّ هذا النوع من المعارضة كان موجوداً حتى في فترة «ربيع دمشق»، وكان له دور كبير في الحالة المعارضة السورية حينذاك، لكن سرعان ما تهرّب من الخطاب الذي تبناه «إعلان دمشق»، وتبين أنّ هناك من لا يريد الخروج من تحت عباءة النظام. لما لا؟ فلو كان الأمر غير ذلك لماذا لم تتفق جميع الأطراف على إكمال المشوار الديمقراطي في إطار «إعلان دمشق» مع أنّ الغالبيّة كان لها دور في بلورة فكرة «إعلان دمشق» وبيانه الأول، وملحق البيان، اللذين وضعا المخطط التدرّجي للتغيير الديمقراطي. وما إن أعلنت جماعة «الإعلان» أنها في طريقها لتأسيس «المجلس الوطني» ليكون بمثابة الإطار التشريعي لجماعة المعارضة حتى طفح الكيل، طرف أعلن تجميد عضويته في «الإعلان «، وطرف خرج من هذا الإطار، أمّا الطرف الكردي، فإنّه عجز أن يعمل شيئا يفيد «الإعلان» وبرامجه، ووجهت اللائمة على الكرد خصوصاً بعد الاعتقالات التي حدثت في صفوف قيادة «الإعلان» كونهم لم يفعلوا شيئاً أو قصروا في تأديّة واجبهم الأخلاقي تجاه رفاقهم في السجون، في حين رأى الكرد أنّهم إذا فعلوا شيئا سيستغل النظام الوضع وسيقول للرأي العام السوري إنّ الكرد يستغلون القضيّة الديمقراطيّة ويقومون بتكريد المسألة الوطنيّة السورية أو أن يقال: إن الكرد يستغلون الوضع لإظهار قضيتهم على سطح الجدال السياسيّ أو أن الكرد همهم الأول ليس دمقرطة الحالة السياسيّة إنّما ترويج قضية الكرد، وتالياً يكون البلوغ إلى أهدافهم سهلاً ويسيراً.
العامل الإقليمي
بيد أنّه، ومع اتساع نجمة حركة الاحتجاجات، وفي حين أنّ البعض من المعارضة استجاب للتجاذبات الداخليّة والعلاقة مع النظام، دخل اليوم على خط المعارضة العامل الإقليمي، ولاسيَّما بعد أن عقدت المعارضة سلسلة مؤتمراتها في تركيا. وما برح وصار جماعة «الإخوان المسلمين» السورية يعتمدون لدرجة كبيرة على حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في أنقرة على أن يساهم هذا الحزب في إعادتهم إلى الملعب السياسيّ السوريّ، لأن لتركيا دورا مهمّا في سوريا، ولا نستغرب أنّ هذه الجماعة تعمل تحت هذه المؤثرات مع أن هذا النوع من العلاقة له تأثير في لم شمل المعارضة، وذلك للاعتبارات التالية:
1- إنّ الأكراد لا يحبذون العلاقة العميقة مع تركيا، ولا يريدون الوصاية التركية للمرحلة المقبلة، حتى إنّهم لا يثقون بتركيا فيقولون كيف أنّ الأتراك ينتهكون حقوق الإنسان في كردستان تركيا ويدافعون عن حقوق الإنسان في سوريا.
2- عندما تعقد المؤتمرات في تركيا لا تنتبه هذه المعارضة إلى الطروحات التي يتم طرحها في المؤتمر، إذ تكون غريبة عن المستوى الذي بلغه الوضع السياسي في الوطن. بالمختصر إنّهم (أي جماعة المعارضة الخارجية ولاسيَّما الإخوان) يعملون بمحض من الأنانية ويلتقطون أنفاسهم على ألا تضيع الفرصة التي تتحضر تركيا لها ولعل ما سلف يكون سبباً مباشراً لتفقد المعارضة وجهاً وحدوياً.
والحال هذه، فإنّ حال المعارضة العلمانية ليست أحسن حالاً من حال «الإخوان»، فهي أيضا تعمل ضمن إطار أيديولوجي تقليدي لا يستجيب بسهولة للتطورات، وأحياناً تعجز عن المواكبة بسبب المواقف المسبقة، ومن المعروف أن المواقف المسبقة هي من أكثر العقبات التي تقف في وجه التطور، فلا بد من تحطيمها والتغلّب عليها كما يقول الكاتب والسينمائي الكردي الراحل يلماز كوناي، ولعل أكثر العلمانيين السلبيين هم العلمانيون الذين ما زالوا تحت تأثير المسار الشيوعي أو المسار القومي.
يمكن القول إنّ المعارضة العلمانيّة هي محتارة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأنها لا تثق كثيراً بالمعارضة الدينيّة، حيث الأخيرة تطالب بالنظام الديمقراطيّ المدنيّ، على مقاسها، في حين تحبذ المعارضة العلمانيّة النظام الديمقراطيّ المدنيّ بحيث يكون ميالاً إلى العلمانيّة، لأنه يفتح الآفاق نحو تحرر أكثر عمقاً، كما أنّه مفيد لوضع مثل سوريا كونها تتصف بتعدد المشارب والأيديولوجيات والأقوام.. الملل والنحل كما أنّهم يخافون من «الإخوان» بعد أنّ رأينا كم أنّ النقاش كان عقيماً بين حواضن التيارات في العمليّة السياسيّة والديمقراطيّة المصرية بعد نجاح الثورة. أما الكرد فالكل يقفز من فوقهم. بيد أنّ «الإخوان» في باطنهم لا يحققون آفاقاً منعشة لهم، ولا العلمانيين الذين يتشبث بعض منهم بالفكر الشموليّ اليساريّ الذي كان طاغياً على كل الأيديولوجيات في المشرق. إنّما، أي الكرد، هم قريبون إلى حد ما من العلمانيين.
ولا نستغرب أنّ القوميين العروبيين ربما يكونون أكثر انسجاماً مع الحالة الكردية من «الإخوان» وهنا لا أقصد المناخ الديني، حيث ربما يكون للأقليات مكان في هذا المناخ، العيب الوحيد في هذا المناخ الديني أنّه ما زال الحيّز (الإسلامي) السياسيّ السوريّ الذي لم ينتج حالة المعارضة الإسلامية الديمقراطيّة الحقّة، ولا يمكن الاستناد إلى الوثيقة وأخذها بمحض الثقة، التي حررها «الإخوان» في أواسط هذا العقد، التي تفيد ببناء دولة ديمقراطيّة مدنيّة.
بقي القول إنّ التجربة المصرية تدفعنا إلى عدم الوثوق بشكل مفرط بالإسلام السياسيّ خصوصاً أنّه وفي بعض الأحيان تلازمهم صفة الانتهازيّة، ولعلنا لم ننس ما قاله الناطق الرسمي لـ «الإخوان» السورية، زهير سالم على قناة المستقلة، بأنَّ سوريا بلد مسلم ويجب أن يكون المصدر الأساسي للدستور هو الإسلام، هذا فضلاً عن أنّه رأينا كيف كان بعض الإسلاميين يستعجلون في إنجاز أطر أو مؤسسة بديلة ليس للنظام فحسب وإنّما لكل السوريين المعارضين والشباب، والسؤال: هل ستتوحد المعارضة وتدرك كم أنّها تأخرت في إنجاز حالة طليعيّة منسجمة مع العمليّة السياسيّة في بلدنا الذي ينزف دماً منذ أشهر؟!!
• ينشر بالتعاون مع مشروع» منبر الحرية»
www.minbaralhurriyya.org