


عدد المقالات 80
قال لي: تكلفتم كثيراً في إثبات نسب المتنبي الشريف، وعشقه لخولة الحمدانية. قلت: ولماذا أنت غاضب؟! لا يهمني نسبه، وقد عشقت أدبه!. دعنا نتذكر أشجانه ونفرج بها همومنا، قال: تفضل!. قلت: عشق أبي الطيب للأميرة الحمدانية خولة؛ أخت سيف الدولة مما لا يخفى. ألا تذكر حينما فارق أبو الطيب حلب إلى مصر، فراق المحب لحبيبه؟ وتلك الأشجان التي فاضت بصدقه المعهود، وهو يصف دموع خولة: رَحَلْتُ فكَمْ باكٍ بأجْفانِ شَادِنٍ عَلَيّ وَكَمْ بَاكٍ بأجْفانِ ضَيْغَمِ! هذه الشادن هي خولة! والضيغم أخوها؛ أمير حلب سيف الدولة. وهي صاحبة القرط: وَمَا رَبّة القُرْطِ المَليحِ مَكانُهُ بأجزَعَ مِنْ رَبّ الحُسَامِ المُصَمِّمِ! وهي الحبيب المقنَّع: فَلَوْ كانَ ما بي مِنْ حَبيبٍ مُقَنَّعٍ عَذَرْتُ وَلكنْ من حَبيبٍ مُعَمَّمِ والحبيب المعمم أخوها، الذي وصفه أبو الطيب بأنه رماه، وأساء إليه في ذلك المجلس الذي سبق أن حدثتك عنه، لكن أبا الطيب اعتذر عن رد الإساءة؛ لأنه يحبه، ويحب خولة!. رَمَى وَاتّقى رَميي وَمن دونِ ما اتّقى هوًى كاسرٌ كفّي وقوْسي وَأسهُمي أولك رأي آخر؟! صمتَ.. وهو واضعٌ يده على خده، ثم قال: أكمل! قلت: ماتت والدة سيف الدولة فلم يرثها أبو الطيب بمثل رثائه خولة. وأنت إذا تأملت فيها وجدت أبا الطيب غرقاً في أشجانه، وقد ملأها حزناً ووصفاً لجمالها! ألا تعجب من هذا؟!. خذ: طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ لم يكد يصدِّق الخبر، فلجأ إلى آماله ليكذب ما سمع. لكنه لما لم يكن له مفرٌ من تصديقه لأنه صدقٌ لا مراء فيه، شرق بدمعه حتى كاد دمعه يشرق به! هل هذا حزنٌ يسير؟!: حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي بل أظلمَ عليه العراقُ كله. أَرى العِراقَ طَويلَ اللَيلِ مُذ نُعِيَت فَكَيفَ لَيلُ فَتى الفِتيانِ في حَلَبِ وهنا لم يصبر فصرَّح بمشاعره، وخاطب سيف الدولة عن بُعد؛ أني حزينٌ عليها وفؤادي ملتهب، فلا تظن بي يا سيف الدولة غير ذلك!: يَظُنُّ أَنَّ فُؤادي غَيرَ مُلتَهِبٍ وَأَنَّ دَمعَ جُفوني غَيرُ مُنسَكِبِ ثم أغرق في وصفها إلى أن وصفَ جمال مبسمها وتوقف عن ذكر عذوبة ريقها البارد!! وهو (الشنب) عند العرب. يَعلَمْنَ حينَ تُحَيّا حُسنَ مَبسِمِها وَلَيسَ يَعلَمُ إلا اللَهُ بِالشَنَبِ! بالله عليك هل هذا رثاء أم غزل؟!. ويشبهها بالشمس، وتمنى أن الشمس التي نراها تغيب، وشمسه خولة لم تغب!. فَلَيتَ طالِعَةَ الشَمسَينِ غائِبَةٌ وَلَيتَ غائِبَةَ الشَمسَينِ لَم تَغِبِ لكنّ البيتَ الذي فيه الطامة الكبرى هو ما سيأتي!: وَلا ذَكَرتُ جَميلاً مِن صَنائِعِها إِلا بَكَيتُ وَلا وُدٌّ بِلا سَبَبِ! صنائعها الجميلة لك يا أبا الطيب لا شأن لنا بها، لكن قل لنا بالله عليك: ما هذا السبب الذي لم تذكره في وُدّك لها؟! وكدتَ تقول (.. ولا حبٌّ بلا سبب!). وتلاعب كعادته ليوهم سيف الدولة والناس أن أولى القلوب بها هو قلب أخيها سيف الدولة، لكني أعرف أبا الطيب وما يُضمر!: يا أَحسَنَ الصَبرِ زُر أَولى القُلوبِ بِها**وَقُل لِصاحِبِهِ يا أَنفَعَ السُحُبِ! لم يقتنع صاحبي! إلى اللقاء
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...