عندما يخرج الجيش من ثكناته (2-2)
03 أغسطس 2013 , 12:00ص
توقفنا في المقال السابق، عند عدد المرات القليلة، التي خرج فيها الجيش المصري من ثكناته العسكرية ليساهم في حماية الشرعية الدستورية، ضد تظاهرات جماهيرية كما في يناير 1977، أو تمرد قوات الأمن كما في عام، 1986 والخروج الأخير والمستمر منذ ثورة يناير.
ومن الضروري، التوقف عند ملاحظة جديرة بالتأمل، وتفيد في صياغة العلاقة بين الرئيس المصري -حتى ولو انتمى تاريخيا إلى المؤسسة العسكرية- ووزير الدفاع أيا كان اسمه. وهي حالة الشك بين الطرفين، ومراقبة شعبية الوزير. ففي كل مرة نزل فيها الجيش المصري لحماية الشرعية، كان رد فعل الرئيس، تنحية وعزل الوزير، فعلها الرئيس الأسبق السادات، بعد نزول الجيش في عام 77، حيث قام بعزل المشير عبدالغني الجمسي، قبل العرض العسكري في 6 أكتوبر، بيوم واحد دون أي سبب معروف. وهو نفس ما جرى مع المشير عبدالحليم أبو غزالة، وهو الأفضل بين من تولي المنصب. وكان معشوق القوات المسلحة، فقد كان صاحب الفضل في إعادة الدور الحيوي والإنتاجي للجيش المصري، بعد أن أنشأ جهاز الخدمة الوطنية، وحصل الضباط والجنود على العديد من المزايا والخدمات، سواء في توفير المساكن الملائمة أو السيارات، وقد تم عزله من الرئيس المخلوع حسني مبارك، بشكل مهين، وسط حملة استهدفت سمعته، لم تكن بعيدة عن دهاليز السلطة، وأجهزتها. وتم التنكيل به بصورة غير مسبوقة، من خلال تعيين الفريق يوسف صبري أبو طالب بدلا منه، بعد أن ترك الأخير الخدمة العسكرية، وأحيل للتقاعد، وعمل محافظا لشمال سيناء والقاهرة، ويتم استدعاؤه من جديد، في خطوة لم تتكرر، مما ترك شرخا في العلاقة بين أبو غزالة ومبارك، لم تنته حتى توفي الأول، متأثرا بمرض السرطان، رافضا زيارة مبارك له في المستشفى.
وجاءت التجربة المريرة للمجلس العسكري، الذي تولى السلطة بعد الثورة في يناير، وحتى 30 يونية 2012 موعد تسليم السلطة لأول رئيس منتخب ومدني، بعد أن انحاز إلى الجماهير دون أن يدافع عن الشرعية الدستورية، كما كانت عليه الحال في المرتين السابقتين، وكانت كل التصورات تشير إلى أنها قد تكون عودة الأمور إلى طبيعتها، وتركيز الجيش في مهامه الأصلية، بعيدا عن الانخراط في المشهد السياسي، ولكن بعض «أيتام» المجلس العسكري و «أرامله»، أقنعوه بإصدار إعلان دستوري، مستغلا الفراغ التشريعي بعد حل مجلس الشعب، بقرار من المحكمة الدستورية العليا يسحب كل اختصاصات الرئيس القادم، وقبل أن يتسلم مهامه، وعاشت مصر ازدواجية حقيقة في السلطة، بين رئيس يناضل للحصول على اختصاصاته كاملة، ومجلس عسكري يحرص على عدم مغادرة المشهد، ويصر على الاحتفاظ بسلطة التشريع. وتمكن الرئيس محمد مرسي في خطوة جريئة، وغير مسبوقة، بإقالة المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع والفريق سامي عنان رئيس الأركان، وتعيين الفريق عبدالفتاح السيسي بدلا منه. ويبدو أن الأمر لم يكن من السهل قبوله، من المؤسسة العسكرية، خاصة وأن القائد الأعلى للقوات المسلحة سيكون لأول مرة مدنيا، والأهم من الإخوان المسلمين.
يومها راجت الإشاعات، بأن الفريق السيسي جزء من مخطط إنهاء سلطة المجلس العسكري، وأنه أحد «الخلايا النائمة» للإخوان في الجيش المصري، وأن زوجته منقبة، وهو من أسرة أصولها إخوانية. ولم يكن ذلك كله صحيحا. فقد كانت حملة منظمة، تستهدف اختيارات الدكتور محمد مرسي، خاصة بعد التغير السريع في استراتيجية المعارضة، وآلتها الإعلامية القوية، حيث بدأت مخطط الوقيعة بين الرجلين الرئيس ووزير دفاعه، بعد أن أدركوا أن الصناديق لن تكون أداة للتغيير السياسي في مصر. وسيظلون لسنوات طويلة أقلية في الشارع، وظهرت أخبار مصنوعة بمهارة مهنية، ولكنها تفتقد أي مصداقية، أو تخضع للمهنية، عن خلافات في الرؤى، ومعالجة بعض القضايا، ومنها الوضع في سيناء، واعتمدت المعارضة بعد أحداث بورسعيد استراتيجية، أن الجيش هو المنقذ، بعد قدرته على حفظ الأمن في مدن القناة الثلاث، دون تنفيذ حظر التجول، الذي فرضه الرئيس مرسي. ونجح الجيش سريعا في ترميم مكانته في الشارع، واستعادة شعبيته المفقودة، وبدأت حملة من جهات مجهولة لجمع التوقيعات لتوكيل الفريق أول عبدالفتاح السيسي لإدارة البلاد، بعد ترقيته ومعه كبار الضباط، من الرئيس محمد مرسي باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهي المحاولة التي لم تنجح، دون أن يعني ذلك أن الجيش غادر المشهد، أو ترك الساحة السياسية، بل توالت الأزمات بين الرجلين مرسي والسيسي، والمؤسستين الرئاسة ووزارة الدفاع، ونتوقف عند أربع منها:
- فجأة خرجت صحيفة الجمهورية، وهي إحدى الصحف القومية، بالمانشيت الرئيسي حول التحقيق مع المشير طنطاوي، والفريق سامي عنان رئيس الأركان، حول قضايا تتعلق بالفساد ورؤوسه، فأثار ذلك المؤسسة العسكرية، وكشر الجيش عن أنيابه، خاصة وأن الأمر يتعلق بقيادات سابقة، ولكن رجالها موجودون في الخدمة خاصة بعد السنوات الطويلة التي قضاها المشير طنطاوي في منصبه. وتحركت الأجهزة المعنية بالصحافة، خاصة مجلس الشورى، الذي أصدر قرارا في نفس اليوم، بعزل رئيس تحرير الجمهورية جمال عبدالرحيم، وتعيين آخر لإدارة الصحيفة بدلا منه، بعد أن نفت النيابة وجود تحقيقات مع القادة السابقين.
- الإعلان الدستوري، الذي أصدره الدكتور محمد مرسي، وأحدث خلافا شديدا بين الحكم والمعارضة، فتدخل الجيش بالدعوة إلى غداء للمصالحة، والجمع بين كل الطوائف السياسية، والشخصيات العامة والحزبية، ويبدو أن الدعوة لم تتم بالتنسيق مع الرئاسة، وجرت مشاورات مكثفة، نتج عنها إلغاء الدعوة، على أساس أن الرئاسة هي المسؤولة، عن مثل تلك الدعوات وليس القوات المسلحة.
- الاحتفال بذكرى 6 أكتوبر العام الماضي، والتي تتوافق مع انتصار الجيش المصري ضد إسرائيل، خاصة بعد أن استبعدت الرئاسة القوات المسلحة، من تنظيم الاحتفال كما جرت العادة، بعد أن تحول إلى مظاهرة شعبية في استاد القاهرة، جلهم من أنصار الدكتور محمد مرسي، دون مشاركة من رموز القوات المسلحة، بالإضافة إلى حضور عدد من قيادات تنظيمي الجهاد والجماعة الإسلامية، الذين تورطوا في اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات.
- تسريبات وتصريحات، من بعض المحسوبين على الرئيس محمد مرسي، واستهدفت القوات المسلحة، وصبت في نهاية الأمر، في إحداث فجوة بين الدكتور مرسي والفريق أول عبدالفتاح السيسي.
- الأزمة الأخيرة، حيث تغيرت سريعا وجهات نظر الفريق أول عبدالفتاح السيسي، من عدم تورط الجيش في العمل السياسي، إلى الدخول بفاعلية على الخط، خاصة بعد ظهور حركة تمرد وتحديد 30 يونية للمطالبة برحيل الدكتور محمد مرسي، وانحياز الجيش إلى معارضي الدكتور مرسي، وفرض خطة طريق للمرحلة القادمة، بعد عزل الرئيس، وتعيين آخر مؤقت، وإصدار إعلان دستوري جديد، واستمر الجيش على موقفه، بطلب الفريق السيسي تفويضا من الشعب، لمواجهة ما أسماه بالإرهاب والعنف، مما ينذر بمزيد من تدخل الجيش في الحياة السياسية.
وبعد، ما زال هناك الكثير في ملف العلاقة الملتبسة بين القوات المسلحة والرئاسة، وأسباب التغيير الدرامي في سلوك الفريق أول عبدالفتاح السيسي، ورغبته في إدخال المؤسسة القومية العريقة في أتون العمل السياسي بكل تعقيداته، وقد نعود إلى تناول القضية في مقالات قريبة، خاصة أنها تحدد مسار العمل السياسي، في دولة بحجم مصر، وتأثيرها عربيا، وإقليميا، ودوليا.