الأربعاء 17 ربيع الثاني / 02 ديسمبر 2020
 / 
05:53 م بتوقيت الدوحة

القلعة المستباحة..!

أسامة عجاج
فرضت الظروف السياسية على مشيخة الأزهر، أن تحارب على جبهتين، في وقت واحد، الأولى هي لها، ونقصد دورها وهي إعلاء وسطية الإسلام، أمام دعاوى وشعارات وأفكار داعش. والثانية هي الأشد والأعنف، وتتعلق بالدفاع عن استقلالية الأزهر نفسه، عن وجوده، عن محاولات تجري وفق مخطط مدروس، لتركيع الأزهر، لاستباحته من مجموعة من رموز العلمانيين، وبعض اليساريين في مصر. وظني أنها المعركة الأشد التي تواجه الأزهر بكل ثقله.
ولنبدأ بالمعركة الأولى، حيث تتعامل العديد من الجهات، وكثيراً منها خارج مصر، على أن الأزهر بكل رمزيته وتاريخه، باعتباره أحد مظاهر القوة الناعمة المصرية، وهي تدرك القيمة الحقيقية للأزهر، على أنه الحصن الحصين، والجدار المانع ضد أي تطرف ديني، وأنه أحد رموز الوسطية الدينية، في مواجهة طرح تنظيم داعش، الذي يرفع شعارات دينية براقة، من قبيل إقامة دولة الخلافة الإسلامية، وتطبيق شرع الله. والأزهر في هذه الحالة على استعاد لتلك المهمة، وقد قام بجزء منها من خلال المؤتمر الدولي، الذي استضافه منذ أسابيع، وجمع فيه علماء المسلمين من عشرات دول العالم، الذين توافقوا عليه وخطة عمل لمواجهة الفكر المتطرف، وإعلاء قيمه الوسطية، وتعاليم الدين السمح، وكشف زيف الأطروحات التي يروج لها تنظيم داعش، والتي تعتمد على فهم مغلوط لصحيح الدين، والأزهر في هذا المجال لا يتأخر، ويدرك أن ذلك هو دوره التاريخي، على مدى ألف عام أو يزيد. بل إن عواصم الغرب قد تدرك دور الأزهر في هذا الصدد، أكثر من جهات عديدة في مصر والمنطقة، بدليل أن كثيراً من المسؤولين من دول غربية، سعوا إلى طلب ذلك الدور صراحة من الأزهر في الآونة الأخيرة، بعد مؤتمر جدة، الذي أعلن التحالف الدولي ضد داعش، كما كان استخدام الأزهر كسلاح مهم في المواجهة الفكرية والدينية، جزءاً مما وعدت به مصر كدور تقوم به في إطار ذلك التحالف. وقد لا يكون الأزهر في وارد انتظار شكر أو امتنان أي جهة على ذلك.
ونتوقف عند المعركة الأهم، التي فرضت على الأزهر، حيث يتعرض مؤخراً لحملة غي مسبوقة، من مجموعات في القلب منها، رموز فكرية وبعضها محسوب على الدولة المصرية، ممثلة في وزير الثقافة، ومعه عدد من العلمانيين واليسار، الذين يستهدفونه كجزء من مخطط كبير، لاستهداف كل ما يتم بصلة للدين الإسلامي، وتتخذ الحملة عدة مسارات نتوقف عند بعضها:
الأولى: اتهام قيادات حول شيخ الأزهر، بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وقد سعى عدد من مقدمي البرامج من الإعلاميين، للحديث عن أشخاص بعينهم، ومنهم عباس شومان وكيل الأزهر، والدكتور محمد عمارة رئيس تحرير مجلة الأزهر، وأحد القامات الفكرية والدينية في مصر، والدكتور حسن الشافعي أحد مستشاري شيخ الأزهر، وعدد من هيئة كبار العلماء. وينسى أصحاب الحملة، بأن العلاقة لم تكن على المستوى المطلوب، بين المشيخة والرئاسة في زمن الدكتور محمد مرسي، وسادها نوع من الفتور الواضح بين الطرفين، وأسبابها سابقة على ذلك بكثير، منها قيام الشيخ عندما كان رئيساً لجامعة الأزهر، بالموافقة على فصل عدد من الطلاب، المنتمين كما قيل للإخوان، بعد أن روجت أجهزة أعلام، بأنهم قاموا بعرض عسكري، على نموذج حركة حماس في قطاع غزة، وفي زمن رئاسة الدكتور محمد مرسي، راجت اتهامات بأن هناك استهداف لشيخ الأزهر شخصياً، من قبل الجماعة. ومن ذلك، ما حدث من حالات تسمم لطلبة المدينة الجامعية، والمظاهرات التي خرجت للمطالبة بإقالة رئيس الجامعة، كما نسي هؤلاء الذين يهاجمون الأزهر، ويكيلون له الاتهامات الآن، أنهم أول من سعوا إليه، ليكون حائط صد أمام الإخوان المسلمين. ومن ذلك السعي إلى التوافق تحت مظلته، بمجموعة من الوثائق الخاصة بحل الأزمات، التي حفلت بها الساحة السياسية بعد ثورة 25 يناير 2011.
والعجيب في الأمر وكدليل مضاف على توغل الإعلام في مصر، سعى رئيس الوزراء إبراهيم محلب، إلى احتواء الأزمة، بزيارة قام بها إلى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، وأجرى من مكتبه اتصالات مع عدد من الإعلاميين، الذين قادوا الحملة، ومنهم إبراهيم عيسى وخالد صلاح وغيرهم، والأغرب من ذلك موقف الدفاع الذي تتخذه المشيخة، تجاه حملة التفتيش في العقول، والمكارثية التي يمارسها بعض الإعلاميين، حيث خرج الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر، وأحد المتهمين ليدافع عن نفسه، وعن الآخرين، في حوارات صحافية وبرامج تلفزيونية، مذكراً بأن الإمام الأكبر شارك في اجتماع 3 يوليو 2013، الذي أنهى حكم الإخوان، كما أنه هو شخصيا دافع عن الإخوان في عهد مرسي، عندما كان يظن أن الخير على مصر سيكون على يديه، بينما وقف ضد فكرة الصكوك الإسلامية، التي روجوا لها، وأشار الشيخ شومان أن الدكتور عمارة والدكتور حسن الشافعي، وافقا على كل القرارات التي تم اتخاذها في هيئة كبار العلماء، بعزل الدكتور القرضاوي، وهما من صاغا بيان تهنئة الأزهر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئاسة، كما تحدث عن إجراءات عديدة تنفي وجود إخوان داخل الأزهر.
الثانية: اتهام الأزهر، بأنه وراء قتل الإبداع في مصر. وهي التهمة التي يتزعمها وزير الثقافة جابر عصفور، وبدأ ترديدها منذ عدة أشهر، في حوارات صحافية له، وقد كررها أثناء حضور رئيس الوزراء إبراهيم محلب، افتتاح المسرح القومي بالقاهرة، عندما اتهم شيوخ الأزهر بالجمود والتعصب الفكري، بعد موقف مجمع البحوث الإسلامية، الرافض لتجسيد الأنبياء والصحابة في الأعمال الفنية، وقد أثارت كلمة الوزير، استياء مستشار شيخ الأزهر الذي شارك في الاحتفال، فانسحب منه، مؤكداً أن الأزهر يمارس دوره، بنص الدستور والقانون، فيما يتعلق بكل ما له علاقة بالشأن الشرعي. ولم تنته القصة عند ذلك الحد، فالضغوط مستمرة، ومن ذلك النشر الموسع عن انتهاء مخرج إيراني من فيلم النبي محمد، وعرضه في الأسابيع القادمة، ولكن ذلك لم يغير من موقف الأزهر، الذي أكد أنه لن يسمح بعرض الفيلم في مصر، باعتبار أن تجسيد شخص الرسول، يخالف ثوابت الإسلام، وأهل السنة والجماعة، ولا يجوز شرعا.
الثالثة: محاولة النيل من العديد من الصحابة والرموز الإسلامية، وللأسف الشديد هذه المرة تأتي من بعض الشخصيات المحسوبة على الأزهر، ومنها بعض شيوخ الفضائيات، الذين هاجموا علنا، أبا هريرة والإمام البخاري وغيرهم، ومن هؤلاء الدكتور سعد الدين الهلالي وكان مرشحا ليكون مفتياً لمصر، الذي قال بجواز إسلام المرء، بدون النطق بشهادة محمد رسول الله، وقد استلزم الأمر الرد عليه من علماء مجمع البحوث الإسلامية، فكانت حربا شعواء، استخدم الهلالي فيها الفضائيات الجاهزة للنيل من الأزهر الشريف.
المعركة أكبر من ذلك، ولن تتوقف عند الهجوم على الأزهر فقط، فالهدف أن تسود العلمانية في أسوأ صورها، في بلد الأزهر الشريف.

usama.agag@yahoo.com •

اقرأ ايضا