ترويج الأوهام.!!
02 نوفمبر 2013 , 12:00ص
لا جديد في سد النهضة، تلك القضية التي شغلت الرأي العام المصري، خلال أشهر الصيف، سوى أنه تم سحبها فجأة من التداول الإعلامي، والبحث السياسي، ووصلت الأمور إلى طرح سيناريوهات متعددة لحل الأزمة، ومنها استخدام القوة المسلحة، والقيام بهجوم خاطف لهدم السد، ومحاولة استخدام قوى مناوئة للحكومة الحالية في إثيوبيا، من الأقليات العرقية أو المعارضة السياسية، دون أي اعتبار لحقوق كل دولة، في بناء وإقامة مشروعات للتنمية، على شريطة واحدة، عدم الأضرار بمصالح دول الجوار، على القاعدة الشرعية» لا ضرر ولا ضرار». ونجحت حملات التخويف التي مارسها البعض، من أن إتمام بناء السد، يعني حرمان مصر من مقرراتها التاريخية المستقرة من مياه النيل، وهناك مخاوف من مرحلة جفاف وفقر مائي شديد، مع إمكانية تأثير قلة المياه علي عمل السد العالي، وخفض معدلات إنتاج الطاقة الكهربائية.
أما الآن، فإن القضية لم تعد مدرجة، على أولويات أي جهة رسمية مصرية، سواء وزارة الري، المعنية بالقضية من الناحية التقنية، أو الخارجية، والمخابرات وأجهزة الأمن القومي، المسؤولة عن إدارة الملف، على المستوى الدبلوماسي والسياسي والأمني، ولعل ذلك يعود إلى عدة أسباب منها:
أولاً: أن القضية تم استثمارها سياسياً، من قبل المعارضة في ذلك الوقت، للنيل من رئاسة الدكتور محمد مرسي، والحزب الحاكم «الحرية والعدالة»، ودخلت في إطار «المكايدة السياسية»، التي غاب عنها العقل والمنطق في التناول، من ذلك تحميل الدكتور محمد مرسي مسؤولية الأزمة، رغم أنه لم يمكث في الحكم سوى عام واحد، وقيل وقتها: إن البدء في إنشاء سد النهضة، بعد زيارة للدكتور مرسي لإثيوبيا، هو استهانة بمصر ورئيسها، وكان الأمر كذبة كبيرة، فمثل هذه المشروعات لا يتم العمل فيها، بين يوم وليلة، وتم اختيار إحدى المناسبات الإثيوبية الخاصة، بمرور ربع قرن، على تولي الحزب الحاكم في إثيوبيا مقاليد الأمور، لإعطاء إشارة البدء في التنفيذ. كما أن الوقائع تؤكد أن الاستعداد لبناء السد من الجانب الإثيوبي، بدأ منذ فترة طويلة، ومر بعدة مراحل، ولم يتم التعامل مع القضية بالجدية المطلوبة، في زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك، على خلفية أن مؤسسات التمويل الدولية، لن تشارك في تمويل، حتى الدراسات الخاصة بجدوى المشروع، فما بالك الدخول في مرحلة البناء، ولم يكن هذا صحيحا.
ثانيا: أن المكايدة السياسية وصلت إلى درجة أن الخلافات السياسية بين الرئاسة والمعارضة، منعت من الاتفاق على آلية وطنية للحل، رغم أن هناك سوابق ناجحة لذلك، ومنها اللجنة الوطنية لقضية طابا، والتي ضمت كافة الكفاءات المصرية بكافة انتماءاتها السياسية، والتي توحدت فقط، من أجل العمل لاستعادة الحقوق المصرية، وهو ما نجحت فيه ذلك. ولعل الوصول إلى هكذا حل، كان كفيلاً باستمرار عمل اللجنة، بعيدا عن التغييرات السياسية، التي حدثت في مصر بعد 30 يونيه، والانقلاب علي السلطة الشرعية في 3 يوليو.
ثالثا: أن المرحلة الجديدة، فرضت على الأجهزة المعنية بالملف، أولويات أخرى وأهداف مختلفة، ومن ذلك وزارة الخارجية، التي تكرس كل جهدها الآن، لمحاولة الترويج لفكرة، وإقناع العالم الخارجي. بأن ما حدث في مصر ليس انقلاباً، بل ثورة شعبية دعمها الجيش، وهي تعاني معاناة شديدة، وإخفاقات اشد، بعد تجميد عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي على سبيل المثال، وتهتم بمعالجة أزمات العلاقات مع أميركا والغرب، كأولوية أولى، ويصبح الاهتمام بقضية سد النهضة، أو تعزيز العلاقات مع دول حوض النيل، رفاهية غير مطروحة في هذا المرحلة. كما تتصور أجهزة الخارجية المصرية، ناهيك عن التغيير في الأجهزة الفنية في وزارة الري، بعد تعيين الدكتور محمد محمود عبدالمطلب وزيراً للري، ورغم أن الرجل لم يكن بعيداً عن ملف المياه، فقد كان آخر مناصبه قبل الوزارة، رئيس المركز القومي لبحوث المياه، ولكن العادة الفرعونية القديمة، تدفع أي مسؤول للعمل في أي ملف من جديد، دون البناء على مأتم إنجازه.
رابعا: الترويج لمجموعة من الأوهام والأكاذيب، التي ترضي الرأي العام، وتطمئنه بغض النظر عن مدى صحتها، أو صدقها. ومن ذلك، وفي إطار حملة العلاقات العامة، التي تم اعتمادها بعد الانقلاب، والدعم الاقتصادي الذي تم الإعلان عنه، من السعودية والإمارات والكويت ظهرت أنباء عن مبادرة ثلاثية من تلك الدول، لحل أزمة سد النهضة، وإقناع إثيوبيا بالتوقف عن بنائه، خدمة لمصر، ولم يكن الأمر صحيحاً، فلم نسمع بعدها عن أي تحرك من الدول الثلاثة، باتجاه القضية، أو اجتماع بين أي مسؤول منها مع نظيره الإثيوبي، في أي محفل إقليمي، أو دولي، وتم تعديل الخطة، إلى الحديث من جديد، عن توقف العمل في بناء سد النهضة، بعد توقف تمويل الدول الثلاثة لإثيوبيا، ولم يكن الأمر صحيحاً، فالبناء لم يتوقف أصلاً، كما يشيع البعض، كما أكد المسؤولون الإثيوبيون. كما أن الحديث عن توقف التمويل، يحمل -إذا صح- اتهام صارخ للدول الثلاثة، بالعمل ضد المصالح الحيوية، والأمن القومي المصري، والدول الثلاثة تملك من العقل والحكمة، ما يمنعها من التورط في هكذا عمل، مهما كان خلافها مع النظام السابق، وحكم الدكتور محمد مرسي، فالمتضرر في تلك الحالة، هو الشعب المصري ومستقبله.
خامسا: الاعتماد على قراءة خاطئة، لتصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي، والترويج لها، على أن هناك تغييراً في موقف أديس أبابا من القضية، وأن هذا الموقف يصب في صالح مصر، عندما تحدث عن أن بلاده لا تسمح بالأضرار بمصالح كل من مصر والسودان، ومثل هذه التصريحات قديمة ومتكررة، ولا تعني شيئاً محدداً، وسبق وأن قيلت، وبصيغ مختلفة ومتعددة، دون أن يكون لها صدى في الإعلام المصري، في ذلك الوقت، والذي كان مشغولاً بالتصعيد غير المبرر للصراع مع إثيوبيا، كجزء من توريط نظام الدكتور محمد مرسي، ووضع العراقيل، أمام علاقات مصر مع دول محورية علي الصعيد الإفريقي، مثل إثيوبيا كما روج الإعلام المصري، لفكرة أن إثيوبيا على استعداد، للقبول بمشاركة مصر والسودان في بناء السد، وتعزيز المصالح المشتركة من بنائه، دون أن يتوقف أحد للسؤال هل ستقبل إثيوبيا بملاحظات ومضمون تقرير اللجنة الثلاثية؟ التي ضمت بالإضافة إلى ممثلي الدول الثلاثة، بعض الخبراء الدوليين، سواء على بناء السد، آو المدة المقررة لتخزين المياه فيه.
وبعد فإن مصر مطالبة بإعادة إنتاج لجنة قومية على غرار قضية طابا، لدراسة متكاملة لقضية سد النهضة بكافة أبعاده، والإجابة عن العديد من الأسئلة المطروحة، ومن ذلك هل هناك أضرار حقيقة تصيب مصر من جراء ذلك؟ وما هذه المخاطر؟ وتحدد البدائل المطروحة، التي تحمي حقوق مصر، ولا تتعارض مع رغبة دولة، في تنمية ذاتها، وسيناريوهات التعامل مع الأزمة، ودور كل جهاز من أجهزة الدولة المصرية، بعيداً عن العنتريات الفارغة، وأسلوب البحث عن المشاكل واختلاقها، خاصة أن بعض الدراسات، تؤكد أن أزمة مياه النيل هي في معظمها، خاصة بالأسلوب الخاطئ للاستخدام، وكميات التبخر الكبيرة من المياه، وليس في قلة الإمكانات، وأنها تحتاج إلى التعاون بين دول الحوض، والمجتمع الدولي لتقليل الفاقد، خاصة أن معظم دول الحوض، لا تعتمد كلية في زراعتها على مياه النهر بل الأمطار، وأن مصر هي الأكثر حاجة للمياه من غيرها.