


عدد المقالات 432
منذ سنوات، يحرص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في خطاباته على التأكيد أن التنمية لا تُقاس بحجم المشروعات ولا بمؤشرات النمو الاقتصادي وحدها، وإنما بقدرة المجتمع على بناء الإنسان، وصون قيمه، وتحويل الرفاه إلى مسؤولية، لا إلى حالة من الاستهلاك غير المنتج.
ولعل من أكثر العبارات التي تستوقف المتأمل قوله: «فارتفاع مستوى معيشة المواطن يجب أن يواكبه تطور قيمي وثقافي واهتمام بالأخلاق، وإلا فقد ينشأ احتمال أن تتحول الرفاهية إلى حالة من الإفساد الاجتماعي القائم على الثقافة الاستهلاكية غير المنتجة والمتذمرة باستمرار». ثم يؤكد في موضع آخر: «ولكي نكون قادرين على مواصلة التطور وتحقيق الاستدامة، ولا ننزلق في مهاوي اقتصاد الاستهلاك وثقافة الاتكالية واللامبالاة، لا بد من التأكيد على العمل وأخلاقياته».
هذه العبارات لا تتحدث عن الاقتصاد فحسب، بل تؤسس لمفهوم يمكن أن نسميه التطور القيمي، وهو عملية ترسيخ وتنمية منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية التي توجه سلوك الإنسان نحو المسؤولية والإنتاجية والاعتدال والنزاهة، بحيث يواكب التقدم المادي نموًا في الوعي والسلوك، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على صناعة التنمية لا مجرد الاستفادة منها.
فالاستهلاكية ليست كثرة الإنفاق فقط، وإنما أن تتحول قيمة الإنسان إلى ما يملك لا إلى ما يقدم، وأن تصبح المظاهر أهم من الإنجاز، والاستهلاك أكثر حضورًا من الإنتاج. وعندما تستقر هذه الثقافة، فإنها تضعف روح المبادرة، وتحد من الابتكار، وتخلق حالة من التذمر الدائم مهما ارتفع مستوى الرفاه.
ولهذا فإن التنمية المستدامة تبدأ من المدرسة والأسرة والإعلام ومؤسسات المجتمع، قبل أن تبدأ من الموازنات والمشروعات. فغرس قيمة العمل، واحترام الوقت، والاعتدال في الإنفاق، والمحافظة على المال العام والخاص، وتعزيز الشعور بالمسؤولية المجتمعية، كلها استثمارات طويلة الأمد لا تقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية.
لقد نجحت دولة قطر في بناء اقتصاد قوي وبنية تحتية عالمية، ويبقى الرهان الأكبر على بناء الإنسان الذي يدير هذه المنجزات، ويحافظ عليها، ويضيف إليها. فالمجتمعات لا تستمر بقوة مواردها فقط، وإنما بقوة قيمها؛ لأن القيم هي التي تحول الثروة إلى حضارة، والرفاه إلى دافع للإبداع، والنجاح إلى مسؤولية تجاه الوطن.
ومن هنا، فإن مفهوم التطور القيمي ليس شعارًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية تضمن أن تسير التنمية الاقتصادية والتنمية الإنسانية في اتجاه واحد. فكلما ارتفع مستوى القيم، ارتفع مستوى الإنتاج، وتعززت الاستدامة، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة المستقبل بثقة. وربما تكمن المشكلة الحقيقية في أن بعض الناس لم يعد يدرك أن القيم ليست سلوكًا شخصيًا فحسب، بل هي ركيزة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والبيئي. فحين تضعف قيم الأمانة، والإتقان، والانضباط، والاعتدال، والالتزام تجاه كل ما يحيط بنا، تظهر آثار ذلك في حياتنا وحياة الأجيال القادمة، وفي العلاقات الإنسانية، وفي استدامة الموارد، وفي قدرة المجتمع على التقدم.
ومن هنا، فإن إحياء القيم الأصيلة لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة تفرضها متطلبات المرحلة. فالأخلاق في الإسلام ليست مجرد فضائل يُندب إليها، وإنما منظومة تنظم سلوك الإنسان وتوجهه لتحقيق عمارة الأرض على الوجه الذي يرضي الله وينفع الناس. وهي تجمع بين مصدرها الإلهي الذي يرسم المبادئ، ودور الإنسان في تطبيقها وتحويلها إلى واقع عملي.
ولعل أعظم ما نحتاج إليه اليوم هو أن نعيد للأخلاق معناها البسيط والعميق في آن واحد؛ فهي الأدب، والصدق، والإتقان، والرحمة، واحترام الإنسان، وتحمل المسؤولية. كما يتمثل حسن الخلق في التواضع، وشكر النعم، ومراعاة مشاعر الآخرين، والبعد عن الإسراف. فحسن الخلق يصوغ سلوك الإنسان، فيدفعه إلى ترك التفاخر المذموم، والتحلي بالقناعة، والاعتدال، والإحسان في التعامل مع الناس.
فالنهضة لا تُقاس بما نبنيه من طرقٍ ومبانٍ فحسب، بل بما نبنيه في الإنسان من قيم. فالأمم ترتقي حين يسير التطور الاقتصادي والتطور القيمي جنبًا إلى جنب، لأن الحضارة تبدأ من الأخلاق قبل أن تُرى في العمران.
@maryamhamadi
في أحد تصريحاته، قال إيلون ماسك إن الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى مرحلة يصبح فيها العمل اختياريًا. انشغل كثيرون بالسؤال المعتاد: كم وظيفة ستختفي؟ لكن ربما كان السؤال الأهم مختلفًا تمامًا: ماذا سيبقى للإنسان إذا...
مقال يستحق القراءة كتبته سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني بعنوان «يُبا»، مستعيدة فيه سيرة والدها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، من خلال قيمه الإنسانية، ومنهجه في...
إن الثناء الصادق الذي يخرج من القلوب ليس مجاملةً تُقال في ساعة الفقد، وإنما شهادةٌ على حياةٍ امتلأت بالعطاء، وأثرٍ بقي بعد رحيل صاحبه. وحين يجتمع الناس على الدعاء لرجل، ويستحضرون إنجازاته قبل اسمه، فإنهم...
يشيع بين الناس اعتقادٌ راسخ بأن الإنسان قادر على تغيير الآخرين. فقد يعتقد الأب أنه غيّر ابنه، أو يرى المعلم أنه صنع شخصية تلميذه، ويظن المدير أو المصلح الاجتماعي أنه غيّر من حوله. غير أن...
بدايةً، نبارك للمنتخب المصري تأهله إلى دور الـ16، ونتمنى له مزيدًا من التوفيق والنجاح. وخلال متابعة أجواء البطولة، التي تقام هذا العام في أقصى غرب العالم، حيث تُنظَّم كأس العالم 2026 بشكل مشترك بين الولايات...
كل عام، في 21 يونيو يأتي يوم الأب حاملاً معه الكثير من الصور والعبارات الجميلة، التي يتم تداولها في التواصل الاجتماعي، ولا أخفيكم سراً غالباً ما تكون بين الضحك أو الفكاهة، كأن الناس اعتادت أن...
وجدت من المهم التذكير بهذه الكلمة المقتبسة من خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في خطابه بافتتاح الانعقاد 47 لمجلس الشورى «ويبقى الإنسان موضوع خطط التنمية ومحورها وهدفها....
في الخامس والعشرين من يونيو من كل عام، تستحضر دولة قطر محطة وطنية فارقة في تاريخها الحديث، حين شهدت انتقالاً سلساً للقيادة عام 2013، عندما سلَّم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل...
يؤكد أستاذ الإدارة في جامعة هارفارد جون كوتر في كتابه الشهير «قيادة التغيير» أن أصعب لحظات القيادة ليست الوصول إلى القمة، وإنما ضمان استدامة النجاح بعد مغادرة المنصب. فالقيادة الحقيقية لا تقاس بما يحققه القائد...
ترحل الشخصيات ذات الأثر، وتغيب الأجساد، لكن أعمالها تبقى حاضرة في ذاكرة الوطن وفي صفحات الإنجاز التي أسهمت في صناعتها. وبرحيل سعادة السيد عبدالله بن حمد العطية، تفقد دولة قطر أحد أبرز رجالاتها الذين ارتبطت...
معرفة رائعة ومدعاة للفخر تعرّفنا عليها خلال ندوة تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية التي أقامتها وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي واللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم. لكن ما أثار في داخلي شعوراً عميقاً بالغيرة على إرث...
الثقافة ليست برنامجاً يُقرأ، بل سلوكٌ يُعاش. وقد أثبت معرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الحالية أنه يفهم هذا الفرق جيداً. فقبل أن تُفتح أبوابه، خرجت منه حافلةٌ متنقلة جابت المدارس حاملةً الكتب إلى الأطفال...