


عدد المقالات 439
بدايةً، نبارك للمنتخب المصري تأهله إلى دور الـ16، ونتمنى له مزيدًا من التوفيق والنجاح.
وخلال متابعة أجواء البطولة، التي تقام هذا العام في أقصى غرب العالم، حيث تُنظَّم كأس العالم 2026 بشكل مشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، في نسخة تاريخية هي الأولى التي تستضيفها ثلاث دول، والأولى التي تضم 48 منتخبًا، لفت انتباهي إعلان لإحدى شركات الاتصالات في مصر، حمل عبارة بسيطة لكنها شديدة الذكاء: «لكل الشكاكين… المرة دي مطولين».
ولا يعنينا هنا اسم الشركة أو الترويج لها، بقدر ما يعنينا تحليل الرسالة الاتصالية التي حملها الإعلان، وما تكشفه من قدرة على قراءة المزاج العام، والاقتراب من الهوية الوطنية من باب الناس أنفسهم.
فالمجتمعات لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بفهم شخصيتها وثقافتها وطريقتها في التعبير عن القلق والفرح والشك. وفي الحالة المصرية، يمثل الجدل الرياضي، والنقد الحاد، والتوقعات المتشائمة قبل البطولات، جزءًا من المشهد الاجتماعي المعتاد. كثيرًا ما نسمع: «لن نتجاوز الدور الأول»، أو «سنعود مبكرًا»، أو «اعتدنا الخروج السريع». وهي ليست مجرد تعليقات عابرة، بل تعبير عن ذاكرة جماعية صنعتها تجارب رياضية متراكمة.
واللافت أن الإعلان التقط هذه الفكرة بذكاء، حين قدّم مشاهد تؤكد أن البعض كان يخطط لعودة اللاعبين خلال عشرة أيام، وكأن الجمهور سبق البطولة بوضع جدول العودة قبل أن تبدأ الحكاية. هنا تحوّل الشك من موقف سلبي إلى مادة ساخرة، قريبة من الناس، ومفهومة بلغتهم.
الإعلان لم ينكر هذه الظاهرة، ولم يهاجم أصحابها، بل فعل ما هو أذكى: احتواها، ثم أعاد توجيهها. خاطب «الشكاكين» مباشرة، لكنه لم يجعلهم خصومًا، بل جعلهم جزءًا من القصة الوطنية، وكأن الرسالة تقول: حتى أنتم الذين شككتم، ابقوا معنا، فهذه المرة قد تكون الحكاية أطول.
وهنا تظهر قوة الاتصال المؤسسي حين ينجح في تحويل الفكرة السلبية إلى طاقة إيجابية. فالشك لم يعد سببًا للانقسام، بل صار نقطة انطلاق لبناء تحدٍ جماعي. وبدل أن تأتي الرسالة بصيغة التحدي الجارح: «سنثبت أنكم مخطئون»، جاءت أكثر لطفًا وثقة: «المرة دي مطولين». عبارة قصيرة، لكنها تحمل تفاؤلًا بلا مبالغة، وثقة بلا غرور.
هذا النوع من الرسائل يعزز الهوية الوطنية لأنه لا يخاطب الجمهور باعتباره مستهلكًا، بل باعتباره شريكًا في الحكاية. فالمنتخب هنا لا يمثل فريقًا رياضيًا فحسب، بل يتحول إلى رمز يجتمع حوله الناس، وتتراجع أمامه الخلافات اليومية، ليصبح التشجيع فعلًا جماعيًا من أفعال الانتماء.
ولعل أهم ما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة أن الاتصال الفعّال يبدأ من فهم الناس كما هم، لا كما نريدهم أن يكونوا. فعندما تُبنى الرسائل على معرفة دقيقة بثقافة المجتمع، ولغته، وروح الدعابة لديه، تصبح أكثر تأثيرًا، وأعمق حضورًا في الذاكرة.
عودة الفراعنة لم تعد مجرد عنوان رياضي، بل أصبحت رسالة مجتمع للعالم؛ تذكيرًا بأن الهوية الوطنية تتجدد حين يجتمع الناس حول قصة مشتركة، وحين يتحول الشك إلى دافع للأمل، وإلى إيمان بأن القادم قد يكون مختلفًا بالفعل.
ننتظر بشوق النتائج القادمة.
@maryamhamadi
حين تتسارع التحولات من حولنا، لا يكفي أن نسأل عمّا يتغير في أنماط الحياة والعمل والتواصل، بل يصبح من المهم أن نسأل أيضاً عمّا يحدث للمعاني التي توجه الإنسان وتضبط علاقته بنفسه ومجتمعه ووطنه. فالقيم...
ليست كل التحولات التي تمر بها المجتمعات أحداثًا عابرة تنتهي بانتهاء أسبابها؛ فبعضها يترك وراءه أسئلة جديدة، ويعيد ترتيب الأولويات، ويجعل ما كان يبدو تفصيلًا في الأمس جزءًا من حسابات اليوم. والمجتمعات الأكثر وعيًا ليست...
نتفق على كثير من القيم، ونحرص على انتقالها بين الأجيال، ونستحضرها عندما نتحدث عن المجتمع الذي نريده. لكننا نواجه اليوم سؤالاً أكثر تعقيداً: كيف تعيش هذه القيم في واقع يتغير من حولنا؟ فالقيم قد تظل...
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. تضعنا هذه الآية أمام أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في بناء الإنسان والمجتمع: أن القيم لا تنتقل بالكلمات وحدها، بل تحتاج إلى نموذج يجعلها مرئية في...
في الحديث عن القيم، لا تكمن المشكلة دائماً في ضعف القيم لدى الأفراد، بل قد تكون في وجود فجوة بين القيم التي نعلن أهميتها، والقيم التي تكافئها الممارسة الاجتماعية. فقد نتفق على قيمة ما، وندعو...
عندما نتحدث عن تطور الاقتصاد، نعود إلى الأرقام والمؤشرات. وعندما نتحدث عن التعليم، ننظر إلى النتائج وجودة المخرجات. وعندما نقيس التنمية، نستخدم مجموعة واسعة من المؤشرات التي تساعدنا على معرفة أين نحن، وإلى أين نتجه....
في الحديث عن التطور القيمي، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن القيم ذاتها: من يصنع قيم المجتمع؟ ومن المسؤول عن تعزيزها وحمايتها وتطويرها في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم؟ قد تكون الإجابة الأولى هي...
منذ سنوات، يحرص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في خطاباته على التأكيد أن التنمية لا تُقاس بحجم المشروعات ولا بمؤشرات النمو الاقتصادي وحدها، وإنما بقدرة المجتمع...
في أحد تصريحاته، قال إيلون ماسك إن الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى مرحلة يصبح فيها العمل اختياريًا. انشغل كثيرون بالسؤال المعتاد: كم وظيفة ستختفي؟ لكن ربما كان السؤال الأهم مختلفًا تمامًا: ماذا سيبقى للإنسان إذا...
مقال يستحق القراءة كتبته سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني بعنوان «يُبا»، مستعيدة فيه سيرة والدها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، من خلال قيمه الإنسانية، ومنهجه في...
إن الثناء الصادق الذي يخرج من القلوب ليس مجاملةً تُقال في ساعة الفقد، وإنما شهادةٌ على حياةٍ امتلأت بالعطاء، وأثرٍ بقي بعد رحيل صاحبه. وحين يجتمع الناس على الدعاء لرجل، ويستحضرون إنجازاته قبل اسمه، فإنهم...
يشيع بين الناس اعتقادٌ راسخ بأن الإنسان قادر على تغيير الآخرين. فقد يعتقد الأب أنه غيّر ابنه، أو يرى المعلم أنه صنع شخصية تلميذه، ويظن المدير أو المصلح الاجتماعي أنه غيّر من حوله. غير أن...