الطريق الطويل.!
02 مايو 2015 , 01:04ص
«الشياطين تكمن في التفاصيل»، هذا هو الدرس الذي تعلمناه مبكرا، ويجعلنا أكثر تحفظا، في النظر إلى إمكانية تنفيذ قرار القمة العربية رقم ٦٢٨ في ٢٩ مارس الماضي، بإنشاء قوة عربية مشتركة لصيانة الأمن القومي العربي. والأمانة تقتضي أن نشير إلى حقيقة، أنه من القرارات القليلة، التي لم يتحفظ عليها سوى العراق، بعد موافقته على المبدأ، ولكنه طالب بدراسته من كافة الجوانب القانونية، على أن يكون متوافقا مع ميثاق الجامعة. كما أنه -وهذا هو الأهم- من القرارات القليلة، بين مئات القرارات التي صدرت عن الجامعة العربية، الذي حمل آلية تنفيذية، وجدول زمني لذلك، عبر جدول بدأ بالفعل، يضم خمسة مراحل، لها سقف زمني ينتهي في نهاية شهر يوليو القادم، والذي بدأ بالفعل، من خلال اجتماع قاده أركان الدول العربية، تمخض عنه الاتفاق، على تشكيل فريق عالي المستوى من الخبراء العسكريين، للبحث التفصيلي في عشر نقاط أساسية، تشمل أهداف تشكيل القوة، ومهامها، وحجم تشكيلها، والوقت اللازم لذلك، وأماكن تواجدها وتمركزها، والمعايير والضوابط الخاصة بالكفاءة القتالية والاستعداد القتالي، سواء التسليح والتدريب والإمداد، وتشكيل هيئة القيادة، ومكان تواجدها، وآلية اتخاذ القرار بشأن طلب الاستعانة بالقوة، وأسلوب وآلية القيادة، واتخاذ القرارات الميدانية، ومصادر التمويل، والإطار القانوني اللازم لتشكيل وطلب إرسال واستخدام القوة. على أن ينتهي الفريق من دراسة كل الجوانب السابقة في أقرب وقت ممكن، وعرض النتائج على اجتماع آخر لرؤساء الأركان العرب، والتي بدورها تعرضه على اجتماع لترويكا القمة، والتي تضم مصر الرئيس الحالي للقمة، والكويت الرئيس السابق، المغرب الرئيس القادم، وبعدها يتم إقرارها في اجتماع خاص لمجلس الدفاع المشترك الذي يضم وزراء الدفاع والخارجية لإقرارها.
ولعل الملاحظة الجديرة بالاهتمام، وتستدعي التوقف، هي طبيعة الدول التي ستشارك في القوة، صحيح أن القرار تحدث على أن المشاركة اختيارية، وصحيح أيضاً أن كافة الدول العربية شاركت في الاجتماع، وكانت الاستجابة كاملة لدعوة الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية، ولم يتخلف سوى سوريا، نتيجة تعليق عضويتها في الجامعة، بينما شارك العراق الذي تحفظ على القرار، حيث مثله الملحق العسكري، واكتفت أربع دول عربية بسفرائها في القاهرة أو ممثلين عنها، وهي الجزائر، واليمن، وجمهورية القمر المتحدة، والصومال. بينما البقية كانت على مستوى قادة الأركان، أو قائد جيش كما هو الحال مع لبنان، أو المتفقد العام للقوات المسلحة في تونس، ولكن الواقع العملي من خلال القدرات العسكرية للدول العربية يقول، إن هناك جيوشا «خارج الخدمة» رغم أهمية الدول التي تنتمي إليها، مثل سوريا التي انتهى جيشها، الذي اختار المواجهة ضد شعبه، لحماية نظام بشار الأسد، والعراق الذي يحاول إعادة تشكيل جيشه من جديد، والذي ما زال يعاني من القرار الكارثي، الذي اتخذه الحاكم العسكري بريمر بحل الجيش، وهناك أيضاً ليبيا، التي اعتمد فيها النظام السابق على ميلشيات تابعة للقذافي، على حساب الجيش النظامي، واستمرت المعاناة بعد ثورة الشباب في فبراير ٢٠١١، والحال لا يختلف في اليمن، الذي يعاني جيشه من ولاءات للرئيس السابق علي عبدالله صالح، وعانت تلك الوحدات نتيجة الغارات الجوية «عاصفه الحزم»، وهناك جيوش «خارج الحسابات»، وهي ليست بالعدد القليل، نحن نتحدث عن الجيش الصومالي، وجمهورية القمر، وجيبوتي، مع غياب لجيش فلسطين، وإلى حد ما موريتانيا، مع إضافة لبنان. إذا من خلال الرصد، فنحن نتحدث عن قوام قوات عسكرية، من دول الخليج الست، ومصر، والسودان، والأردن، والمغرب، والجزائر وتونس.
ودعونا نعترف بأن كل نقطة من النقاط السابقة، المطروحة على الفريق عالي المستوى، تحتاج إلى بحث، وبعيدا عن القضايا ذات الطابع العسكري، رغم أهميتها، ولكنها مرتبطة بالانتهاء من تشكيل القوة، مثل مقرها، ومكان تمركزها وقيادته، ولكن هناك تساؤلات قد تبدو بديهية، ولكنها حاسمة، رغم أن هناك اتفاقا حول هذه القوة، كما قال الفريق محمود حجازي رئيس الأركان المصري: «ليست موجهة ضد أحد، ولا تمثل محوراً أو تحالفا أو تهديدا لأحد» وهو نفس ما أشار إليه، وقد يكون بنفس التعبيرات، الدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية، ومع ذلك يظل التساؤل على حاله، هل هناك اتفاق حول فكرة الهدف من القوة، وفقا للرؤية المصرية والتي ظهرت في كلمة الفريق محمود حجازي فإنها تشير إلى إنها «ستواجه التحديات أمام الأمن القومي، والتي أصبحت متشابكة، وحددها في الاقتتال الداخلي، أو افتئات على السلطة الشرعية، أو استفحال للتنظيمات الإرهابية بممارستها اللإنسانية»، بينما كان العربي أكثر تحديدا، عندما تحدث عن «تهديدات تتعرض لها عدد من الدول العربية، وحددها بسوريا وليبيا واليمن، ولا يخفي على أحد أن قضية اليمن التي شهدت إجماعا من الدول العربية، التي تمثل القوام الرئيسي للقوة، وهي التي شاركت في عملية عاصفة الحزم، ونحن هنا نتحدث عن خمس دول خليجية، ومصر والسودان والأردن والمغرب، وكل منها قدم بعض عناصره الجوية والبحرية، التي أسهمت في العمليات بينما قضيتان من الثلاثة المطروحة لا تحظى بإجماع بين نفس تلك الدول، ونتوقف عند سوريا مثلا، هناك دول الخليج لها موقف واحد، تم التعبير عنه في تصريحات واضحة ومحددة، بأنها ترفض أي دور لبشار الأسد في حل الأزمة السورية، بعد كل ما جرى خلال أكثر من أربع سنوات، والآلاف من الشهداء والمصابين، وملايين النازحين واللاجئين، بينما مصر على عكس هذا التوجه، وتتحدث عن أن بقاء الأسد في السلطة، قد يكون ضمانا في الحفاظ على الدولة السورية، فماذا لو تطلب الأمر مشاركه القوة العربية المشتركه في الأزمة السورية، هل سيكون لصالح المعارضه التي يصفها البعض بأنها مجموعات إرهابية، أو الدفاع عن الشرعية، التي يمكن أن يقال إنه تتجسد في الأسد. وقد تكون الأزمة الليبية هي الأكثر وضوحا في التباين، فهناك توافق في الرأي بين مصر والإمارات، التي تدعمان برلمان وحكومة طبرق وجيش الفريق حفتر، بينما تتعامل مع المجموعات المسلحة وحكومة طرابلس، على أنها جماعات إرهابية، وهو مخالف تماماً مع توجهات دول الجوار الثلاث الجزائر وتونس وكذلك المغرب، ناهيك عن الموقف القطري، التي تطالب وتسعى وتستضيف جولات الحوار الوطني، بين كل الفرقاء دون استثناء أي تنظيم سياسي، سوى المجموعات الإرهابية، وهي معروفة ومحددة، سواء تنظيم القاعدة أو أنصار الشريعة، التي أعلنت ولاءها لداعش، ومثلت امتدادا لها، كما أن هذه الدول تتعامل مع المجموعات المسلحة، على أنها جزء فاعل في الثورة الليبية، لم تتمكن الحكومات في الفترة الانتقالية، من إدماجها ضمن قوات الأمن أو الشرطة، ويصبح التساؤل المطروح، ماذا لو تتطلب الأمر من أي من الدول العربية، تدخل تلك القوات في الأزمة السورية أو الليبية، وسط ذلك التباين. ناهيك عن الاختلاف في نوعيه المجموعات، التي يمكن وصفها بالإرهابية، الوصفة المصرية تسعى إلى ضم كل تيارات الإسلام السياسي، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، وتخلط بينهم وبين مجموعات تمارس العنف، وتعلن ذلك في بيانات لها، بينما دول آخرى ترى أنهم قوى ومكون سياسي، يقبل بلعبة الديمقراطيه وتداول السلطة.
ما سبق يؤكد، أن فكرة تشكيل قوة عربية مشتركة غاية في الأهمية، ولكنها قد تواجه مصاعب وعقبات، عند التنفيذ، وتحديد المهام، دون أن يعني ذلك أنه ليس هناك مجالات للعمل، بين مجموعات من الدول، ولمهام محدودة، مثلما هو عليه الأمر، في مشاركة عدد كبير من الدول، في التحالف الدولي ضد داعش مثلا، رغم أن المظلة ليست عربية فقط، أو الأزمة في اليمن.
usama.agag@yahoo.com •