


عدد المقالات 369
كانت الحجة الأقوى التي يقول بها ضحايا حرب دارفور وخصوم البشير لتسليم الرئيس السوداني للمحكمة الجنائية، هو أن قضاء السودان في العهد البائد كان مسيّساً، وعليه لم يكن مؤهلاً لإصدار حكم عادل ينصف الضحايا، لكن ما الحجة وقد سقط ذلك النظام، وقام على أنقاضه نظام ديمقراطي، من أركانه استقلال القضاء ونزاهته؟ إن في إصرار حكومة الثوار على تسليم البشير للجنائية طعناً غير مبرر من حكومة الثورة في قضاء الثورة، خاصة عندما نقرأ في بعض الوسائط تبريراً مفاده أن تسليم البشير إشفاء لغليل الضحايا، وهو تبرير يتعارض مع العدالة التي تعني الإنصاف لا التشفي، ويبدو أيضاً أن حكومة الثورة تعتبر محاكمة البشير عبئاً ثقيلاً، من الأفضل لحكومة الثورة أن تتخلص منه وتلقي تبعاته على جهة أخرى، وتتابع على البعد تفاصيل ما يدور في المحكمة، وكأن البشير من صربيا أو من ليبيريا! وهكذا نكتشف عند تناول كل تبرير أنه لا خيار أمام حكومة الثورة غير أن يتولى محاكمة البشير القضاء السوداني الوطني، ما دامت الثورة قد أسّست لقضاء مستقل نزيه، ولا يشرّف نظام وطني حرّ أن تنوب عنه جهة أجنبية في تولي مسؤولية وطنية. يثير كثيرون مسألة إشعال الحرب كأمر يجب أن تُعقد له محاكمة سياسية، لأن البشير لم يشعل الحرب، بل أشعلها متمردون رفعوا السلاح في وجه الدولة، الرد على هذه الحجة هو أن البشير لا يحاكم على إشعال الحرب، فهو منها بريء، لكنه يحاكم على فظائع ارتكبت خلال الحرب، لكن الحجة المشار إليها تنبّه لفخّ منصوب قد تقع فيه حكومة الثورة، هو أن حاملي السلاح لم يتوصلوا إلى اتفاق سلام مع حكومة الثورة، وقد يهاجمون حامية للجيش فتضطر الحكومة للرد، إن حمل السلاح مرفوض مبدئياً، ألم يقتل حملة السلاح في دارفور مدنيين في الفاشر عند أول هجمة لهم على المدينة في العام 2003؟ وأوقع عبدالواحد محمد نور نفسه في خطأ سياسي شنيع، عندما قال إنهم قد أسهموا إسهاماً فاعلاً في إسقاط النظام، لأنهم كلفوه مليارات الدولارات وجهها لمحاربة حركة عبدالواحد المسلحة، وبذا أوجد عبدالواحد -من حيث لا يدري- أعذاراً للنظام السابق في عدم التركيز على مشاريع تنموية وخدمية للإقليم، بعد أن أجبرته الحركات المسلحة على توجيه ميزانية التنمية نحو الحرب. إن المعنيين في المقام الأول بموضوع الجنائية هم السودانيون، الذين يختلفون حول البشير، فمنهم من يراه فاشلاً ومتورطاً في جرائم حرب، ومنهم من يراه قد تصدى لمسؤوليته في مواجهة تمرد مسلح بادر بالخروج على الحكومة المركزية، لكن الجنائية قد شغلت الفريقين عما هو أهم من إجراء قانوني لن يخدم قضية السودان، ولو اكتمل تماماً في مواجهة البشير، أعني نار الحرب ذاتها التي أفرزت موضوع الجنائية كواحدة من تداعيات الحرب، لكن الإفراز العرضي شغل الفريقين عن الداء اللعين، وبهذا الترتيب المخلّ أصبحت ملاحقة البشير أهم من واجب إنهاء الحرب، وعذراً للانصراف عن البحث في أسبابها الذي سوف يقود حتماً لمساءلة «وطنية» لجهات غير البشير أسهمت في إطالة أمد الحرب، ولو كان إسهامها بدرجة أقل، وفوق كل ذلك، وأخطر من كل ذلك، قد يكون المعني بالقضية السودانية قد تلهى بالجنائية حتى نسي أن حلّ القضية السودانية في أيدي السودانيين، ولو كانت أيادي الأوصياء الدوليين نظيفة طاهرة، فما بالك وتاريخ الأوصياء لا يطمئن؟ هذا على أقل تقدير وأخف وصف.
الوصفة أو الجرعة أو الخلطة، مُسمّيات لتركيبة تصلح لحالات مختلفة، قد تكون مرضية أو اجتماعية أو سياسية. وفي كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الوصفة أو الجرعة أو التركيبة -سمّها ما شئت- مضبوطة، لا تزيد...
دعت قوى الحرية والتغيير في السودان إلى تنظيم موكب في الثلاثين من يونيو لحث حكومة الثورة على الإسراع إلى تحقيق أهداف الثورة التي لم تنجز بعد. وتترقب الأوساط السياسية الموكب باعتباره اختباراً للتجربة الديمقراطية، فالموكب...
دعا رئيس حزب الأمة الصادق المهدي تحالف قوى الحرية والتغيير -الذي أنجز مهمة الثورة- إلى تحالف جديد، تحت مسمى «العقد الاجتماعي الجديد»، يرى حزب الأمة أن التحالف المقترح يتجاوز أخطاء التحالف الحالي، ويعالج ضعفاً اعتراه....
إذا تكررت المعالجة لحالة محددة بدون أن يكون للمعالجة مردود إيجابي، لا يكون من الفطنة ولا الحكمة ولا الكياسة في شيء الإصرار على الطريقة ذاتها التي لم تحقق غرضها، هذه قاعدة في حالات مختلفة، تستوي...
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء...
إذا كان الخروج عن النمط المألوف يأتي ضمن تعريفات الظاهرة، التي ترصد لغرابتها اللافتة، فإن نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني «حميدتي» يمثّل بلا شك ظاهرة سياسية. توافق المجتمع السياسي على مواصفات في رجل الدولة،...
بدأت التجربة الحزبية في السودان مبكرة، حيث إن السودان من الدول القليلة التي اعتمدت النظام الحزبي التعددي عند استقلالها، حين رأت دول أخرى أن تعتمد نظام الحزب الواحد، بدعوى أن التعددية الحزبية لا تناسب الشعوب...
تشغل أزمة سد النهضة بصورة مباشرة الدول المعنية بها، وهي إثيوبيا ومصر والسودان، وامتد الاهتمام بها ليشمل دول حوض النيل، بل امتد الاهتمام حتى وصل واشنطن، التي تدخلت مؤخراً كوسيط بعد أن صارت الأزمة مهددة...
ما كان للإنسان أن يضبط مسيرة حياته لولا أن الله قد وضع للكون سنناً، وأجرى على خلقه سنناً، فصار الإنسان يضبط حياته على شمس تشرق كل يوم وعلى فصول تأتي كل سنة، فعرف متى يصحو...
شرعت حكومة الثورة في تفاوض مع الحركات المسلحة، بغية التوصل لسلام دائم يضع حداً للحرب التي طال أمدها، وشردت المواطنين الآمنين، وأهدرت الموارد وعطلت الإنتاج، يُعرف أن حكومة الثورة وضعت السلام على رأس أولوياتها، وحددت...
في غياب الديمقراطية تغيب التعددية الحزبية والتنافس الحزبي الحر عبر انتخابات نزيهة، ويفقد القضاء استقلاله بتغول السلطة التنفيذية عليه بعد سقوط مبدأ الفصل بين السلطات، ويفقد الشعب حرية التعبير لأن الديمقراطية وحدها هي الضامن بطبيعتها...
عندما تعايش الشعوب أنظمة ديكتاتورية لفترات طويلة، فإنها تولي اهتماماً خاصاً للتحول الديمقراطي الذي يعقب النظام الأحادي القابض، وهو أمر غير مستغرب من شعوب تعطشت للحريات ولبقية مزايا النظام الديمقراطي، لكن يجب التنبيه إلى أن...