


عدد المقالات 80
الشاب الظريف! هكذا كان يُسمى: محمد بن سليمان التلمساني، الشاعر الشاب، الذي لم يمهله الدهرُ طويلاً؛ إذ وُلد عام 661 هـ وتوفي عام 688 هـ أي إن عمره حين مات كان سبعة وعشرين عاماً!.. تحدثت الدنيا عن شعره، ولم يحتج إلى تصويتٍ مُزوّرٍ ليكون شاعراً مُزوّراً يموتُ شِعرُه حينما يحيا الشّيكُ في جيبه!. شعره من أطرب الشِّعر وأظرفه وأرقاه وأرقّه وأعظمه، كيف لا يُطربُ وهو القائل!: عَذَابِي مِنْ ثَنَايَاكَ العِذَابِ فَهَلْ شَفِعَ الرِّضَا عِنْدَ الرُّضَابِ؟! يمدح ثغرها العذب، وفيه اللامعات الساحرات عذبات اللمى، التي عذابه منها، فكيف بها إذا ابتسمت، وقد جعلته طريح الهوى، جريحاً لا روح فيه!. له أبيات لو كتبت بماء العيون لما كان ذلك كثيراً، كان فيها إنساناً صادقاً، لا يخدع نفسه، ولا يخادع: لا تُخْفِ مَا صَنَعَتْ بِكَ الأَشْوَاقُ وَاشْرَحْ هَوَاكَ فَكُلُّنَا عُشَّاقُ! مهما حاولت أن تخفي هواك فلن تستطيع، فدمعك فضاحٌ، وقلبك خفاقٌ!: قَدْ كَانَ يَخْفى الحُبُّ لَوْلاَ دَمْعُكَ الجَارِي وَلَوْلا قَلْبُكَ الخَفَّاقُ اشكُ هواك إلى من تثق أنَّ قلبَه مثل قلبك، قلب إنسانٍ! يستحق أن تشكو إليه: فَعَسَى يُعِينُكَ مَنْ شَكَوْتَ لَهُ الهَوَى فِي حَمْلِهِ فَالعَاشِقُونَ رِفَاقُ من قبلك العشاقُ صرعتْهم العيونُ الدُّعج الكحيلاتُ، والوجناتُ الناعماتُ القاتلات المحييات، فلا تجزع، فلستَ أول قتيلٍ لهنَّ: لا تَجْزَعَنَّ فَلَسْتَ أَوَّلَ مُغْرَمٍ فَتَكَتْ بِهِ الوَجْنَاتُ وَالأَحْدَاقُ أما هجرُ الحبيب؛ الداء العضال، فليس لك حياله إلا الصبر، ربما لأن قلبه فوصل، فللهوى أخلاقٌ متقلبة.. ربما: وَاصْبِرْ عَلَى هَجْرِ الحَبِيبِ فَرُبَّمَا عَادَ الوِصَالُ وَلِلهوَى أَخْلاقُ وهو الذي قال فيه أيضاً: لأنْتَ وإِنْ هَجَرْتَ فَدتْكَ رُوحِي أَلذُّ إلى مِنْ صِلَةِ الشَّبابِ! ثم يبثُّ ربَّه شكواه: يَا رَبّ قَدْ بَعُدَ الذينَ أُحِبُّهُمْ عَنِّي وَقَد أَلِفَ الرِّفَاقَ فِرَاقُ فليس أسوأ من اسوداد الحظِّ: وَاسْوَدَّ حَظِّي عِنْدَهُمْ لَمَّا سَرَى فِيهِ بِنَارِ صَبَابَتِي إِحْرَاقُ ومن ظريف شعره، أنه لاعبَ مرة فتاة بخاتمٍ، فكان وصفه لهذه الملاعبة بديعاً: لاعَبْتُ بِالخَاتَم إنْسَانَةً كَالبَدْرِ في جُنْحِ الدُّجَى الفَاحِمِ حَتّى إذا ما رُمْتُ أَخْذِي لَهُ مِنَ البَنَانِ التَّرِفِ النَّاعمِ خَبَّتهُ في فِيهَا فَقُلْتُ انْظُروا قَدْ خَبَّتِ الخَاتَمَ بالخَاتَمِ!! شبَّه فمَها بالخاتم!. أدركتُ الآن أنني ظلمتُ هذا الشاعر الشاب الظريف ولم أوفه حقه؛ إذ إنه من أقدر شعراء عصره على جزالة اللفظ، ورقة المعنى. هو ظريفٌ حقاً. بالله عليكم هل قرأتم أرقَّ من هذه الكلمات!: صدُودُكَ هَلْ لهُ أمدٌ قريبٌ؟ وَوَصْلُكَ هَلْ يَكُونُ وَلاَ رَقِيبُ؟ ثم يسأل قُضاة الجمال، عن عيونٍ تمنَّت الظِّباءُ لو أنها لها!، ماذا يفعل بها: قُضاةُ الحُسْنِ ما صُنْعِي بِطرْفٍ تَمَنَّى مِثْلَهُ الرَّشأُ الرَّبِيبُ؟! رَمى فأصابَ قلبي باجتهادٍ صَدَقْتُمْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبُ! بِأي حُشاشَةٍ وَبِأَي طَرْفٍ أحاولُ في الهَوى عيشاً يطيبُ؟! ثم يصف ساعة الرحيل بأبلغ القول: وفي تلكَ الهوادجِ ظَاعناتٌ سرينَ وكلُّ ذي وَلَه حبيبُ أولئك الجميلات الراحلات إذا نزعتْ إحداهُنَّ عن وجهها الخمارَ، وغمزتْ بعينها تكسرت قلوبُ الناس!: إذا أَسْفَرْنَ فانْكَسَرَتْ عُيُونٌ لَهُنَّ فَتَكْن فانكَسَرَتْ قُلُوبُ وتعجَّب من تلك العيون: ويا تلك اللِّحاظِ أرى عجيباً سِهاماً كُلَّما كُسِرَتْ تُصِيبُ!! إلى اللقاء.
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...