البرلمان الحائر.!! (2-2)
31 يناير 2015 , 02:32ص
توقفنا في المقال السابق عند المخالفات المتعددة التي اعترضت إتمام انتخابات مجلس النواب المصري، والذي تأخر عن موعده المقرر أكثر من عام كامل، تولى خلالها مسؤولية التشريع الرئيس الانتقالي المستشار عدلي منصور، ومن بعده وما زال، الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ونواصل الحديث عن الانتخابات الأغرب في التاريخ المصري.
تمت إجراءات إتمام استحقاق انتخاب مجلس للنواب ببطء ملحوظ، وغياب تام للإرادة السياسية أصلا في وجوده، لدرجة إن لم يعرف إلا مؤخرا تقسيم الدوائر، ولم يتم حسم النظام الانتخابي إلا بصعوبة بالغة، ويتسم بالتعقيد الشديد، على عكس ما سبقه من أنظمة كانت تتسم بالبساطة، مع مجتمع نسبة الأمية مرتفعة، وهو يجمع بين النظامين الفردي من خلال 237 دائرة، يتم من خلالها انتخاب 420 نائبا. أما القوائم فقد تم تقسيم مصر إلى أربع دوائر، يخصص لها 120 نائبا، كما أن القانون بعد أن أنهى تمثيل العمال والفلاحين، بنصف أعضاء مجلس النواب، سعى إلى ضمان وجود تمثيل الأقباط بـ24 مقعدا على مستوى الجمهورية، والعمال والفلاحين بـ16 مقعدا، ومثلهم الشباب، و8 مقاعد للمصريين بالخارج، ومثلهم لذوي الإعاقة كما أتاح القانون للرئيس أن يقوم بتعيين 27 نائبا، ليكون عدد أعضاء المجلس 567 عضوا، وقد زاد عدد أعضاء المجلس، نتيجة إلغاء الغرفة الثانية وهو مجلس الشورى، وكل التوقعات تتحدث عن أن النظام الحالي قد يتسبب في ارتفاع نسبة الأصوات الباطلة، كما أنه خلق مراكز قوة جديدة في المجتمع، ومن ذلك الكنيسة القبطية، التي تلجأ إليها القوائم الانتخابية، لتختار لها من تضعهم على قوائمها من المسيحيين، ومن ذلك أيضا آلية تنفيذ اختيار ممثلي المصريين في الخارج، وكيف يمكنهم التوفيق بين وجودهم في مقار إقامتهم في الخارج، والمشاركة في الجلسات المتعددة، التي قد تنعقد بصفة يومية أو عدة أيام خلال الأسبوع الواحد، وكان من الممكن إلغاء ذلك التمثيل مثلا، وتبني أي حزب من الأحزاب القائمة والممثلة في البرلمان، لأي قضية تخص المصريين في الخارج.
ولعل هذه الانتخابات ونتيجة لطبيعة تقسيمها بين الفردي والقوائم، والتي تحتاج إلى جهد وأموال، تتجاوز قدرات الأفراد، وتحتاج إلى إمكانيات أحزاب، فظهرت فكرة التحالفات الانتخابية، وكالعادة تعددت تلك التحالفات بصورة غريبة، مع وصول عدد الأحزاب ذاتها إلى أكثر من 90 حزبا، وتتمحور التحالفات بين قائمة الجبهة المصرية بزعامة الدكتور كمال الجنزوي المستشار الاقتصادي للرئيس السيسي، والتي ينظر إليها على أنها تمثل الدولة، وتحظى بدعم الرئاسة مع زيادة المطالبة بتكوين ظهير سياسي للرئيس، وتحفظ السيسي حتى اليوم على تشكيل حزب جديد له، وتضم القائمة عددا من الوزراء السابقين، وأساتذة الجامعات والشخصيات العامة، والتي تنتمي لعدد من الأحزاب مثل تيار الاستقلال ومصر الحديثة، وجبهة مصر بلدي وغيرها، وهناك تحالف صحوة مصر، ويقوده عبدالجليل مصطفى المنسق العام للجمعية الوطنية للتغيير، وهناك تحالف الوفد المصري بقيادة حزب الوفد، وتحالف نداء مصر ويضم شخصيات مثل وزير الخارجية الأسبق محمد العرابي، ويحيى الجمل وعدد من العسكريين السابقين الذين ينتمون إلى حزب حماة مصر، ناهيك عن تحالف العدالة الانتخابية، وقائمة أخرى للمستشارة تهاني الجبالي الدفاع عن الجمهورية، وفي مقترح مخالف لأبسط أصول الديمقراطية، طرح أثناء لقاء الرئيس السيسي الأول مع ممثلي الأحزاب السياسية، ظهرت فكرة تكوين قائمة موحدة بين كل الأحزاب، وتحمس الرئيس لهذا الطرح، ولكن هناك شبه استحالة لتنفيذ الفكرة، التي تبدو أقرب للخيال من الواقع، من خلال اعتقاد لدى كثير من تلك الأحزاب، ومعظمها بلا تجربة سابقة، وتفتقد للجماهيرية، أن تلك الانتخابات قد تكون فرصتها التي لن تتكرر، للحصول على الأغلبية أو الأكثرية، أو على الأقل التمثيل بعدد من النواب في المجلس القادم، في ظل غياب أحزاب التيار الديني، واستبعاد مشاركة الإخوان المسلمين في الانتخابات النيابية. والغريب في أمر الانتخابات القادمة الحديث عن مخاوف من تسلل الإخوان المسلمين إلى عضوية المجلس، ومنعهم من ذلك لدرجة أن الرئيس المصري لوح في أحد تصريحاته بإمكانية حل المجلس في هذه الحالة، دون إدراك بأن مع افتراض وصولهم إلى ذلك، فمعناه أنها تنفيذا لإرادة شعبية، ولن تكون عبر تزوير من أي نوع، ومع ذلك فالأمر يدخل في إطار سياسية التخويف، لا أكثر ولا أقل، خاصة أن الإخوان أنفسهم أعلنوا عدم مشاركتهم في الانتخابات لأنه وفقا لرؤيتهم، ما بني على باطل فهو باطل، وهم لا يعترفون بما حدث في 3 يوليو، ويتعاملون معه على أنه انقلاب على الشرعية، وبهذا التصور لا يمكن توقع مشاركتهم في تلك الانتخابات، نظرا لأن قياداتهم حتى الصف الرابع موجودة في السجون منذ يونيه 2013، أو خارج مصر، مما يجعل من الصعب تصور وجود النماذج القادرة على خوض الانتخابات، ناهيك عن الفوز بها في ظل الحملة المسعورة التي تواجههم، وتحملهم كل مشاكل مصر، من الإرهاب حتى الأزمات الاقتصادية، بعيدا عن الدعايات المغرضة، من نوعية أنهم خصصوا ملايين الجنيهات، لدعم مرشحين غير معروفين في مسعى للتواجد داخل المجلس دون أن يتوقف أحد ليجيب عن تساؤل عن استفادتهم من ذلك التمثيل، وقدرتهم على التأثير في القرار السياسي والأزمة في حقيقتها هي سيطرة التيار العلماني في مصر، على مقادير الأمور على المستوى السياسي والإعلامي، وهم يرفضون تواجد أي حزب يحمل توجها إسلاميا، حتى ولو كان من شركاء ما حدث في 3 يوليه 2013، وأقصد به حزب النور، وكان هذا واضحا من المواجهة بين ممثله في لقاء السيسي والدكتور أسامة الغزالي حرب، الذي طالب بحله، ويحلم حزب النور بأن يكون صاحب الأكثرية في الانتخابات القادمة، بعد أن حل ثانيا في الاستحقاقات بعد ثورة يناير في انتخابات مجلس الشعب والشورى، وجاء ثانيا بعد حزب الحرية والعدالة والذي تم حله، ويحلم بأن يرث الأصوات المؤيدة للتيار الديني، والتي خلت له بعدم عدم مشاركة أحزاب دعم الشرعية. ولعل من المعارك الوهمية، وافتعال الأزمات، حملة التخويف من عودة نواب الحزب الوطني السابق إلى البرلمان، رغم أن الفترة الماضية تم السماح، لعدد كبير من الأحزاب والتيارات السياسية، بالعمل والحركة والتواجد، رغم أنها خرجت من رحم الحزب الوطني، الذي تم حله وأعيد بحكم القضاء، وعاد تحت لافتات مختلفة، بل هم ركن أساسي في تحالف الدكتور كمال الجنزوي، مثل الحركة الوطنية بقيادة الفريق أحمد شفيق، ومصر بلدي، وحزب مصر الحديثة والمؤتمر، والشعب الجمهوري والبداية، ومصر النهضة برئاسة الدكتور حسام بدراوي، آخر أمين عام للحزب الوطني، وحزب مصر للتنمية برئاسة الدكتور يمني الحماقي، وكل المؤشرات تتحدث عن أن نصف نواب الحزب الوطني على الأقل في برلمان 2010 سيخوضون الانتخابات القادمة، واحتمالات الفوز قد تصل إلى 200 نائب، خاصة أن معظمهم يعتمد على أسر وعصبيات في الريف وصعيد مصر، بل هناك من التحالفات من يسعى إلى خطب ودهم، وضمهم إلى قوائمه، خاصة أنهم في المحصلة النهائية ليس هناك فرق كبير بين التوجهات السياسية، بين النظام الحالي وبين نظام مبارك.
وبعد، فإن هناك كثيرا من المأخذ القانونية والدستورية على النظام الانتخابي، وشبهة عدم دستورية، ولكن النظام سيجعل منها ورقة أخيرة، إذا جاءت نتائج الانتخابات على غير هواه، وقتها سيسعى إلى حل المجلس عبر المحكمة الدستورية وكله بالقانون.
usama.agag@yahoo.com •