الثلاثاء 29 رمضان / 11 مايو 2021
 / 
01:26 م بتوقيت الدوحة

سورة قلبت الموازين «2»

مبارك الخيارين

«مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ» [التوبة: 17]
 كانت مكة هي «الشرعية» التي استغلتها قريش، واستخدمتها تحت غطاء القيام بالأعمال اللوجستية، كتوفير المياه «السقاية»، وتوزيع الطعام والضيافة «الرفادة»، وخدمة الكعبة من نظافة وحراسة «سدانة»، وكانوا يعتبرون هذه الأعمال هي «عمارة للمسجد الحرام»، بالرغم من أعمالهم المتناقضة مع أهداف المكان الداعية للتوحيد، كالشرك وإقامة الأصنام حولها، والذبح لغير الله، والاستعانة بها في قراراتهم الحياتية من زواج وسفر وتجارة، إلى أن نزلت هذه الآية لتنزع شرعية قريش «لكفرهم»، وتحل محلها شرعية المسلمين «لإيمانهم»، فهم الأولى بإدارة البيت الحرام والقيام بكل خدماته، لكي يتوافق العاملون في المكان مع أهداف هذا المكان، وهنا «تنسجم المنظومة» عملياً، وتعاد الأمور لنصابها الصحيح.
ومع تسارع الأحداث تأتي هذه الآية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» [التوبة: 23].
حيث تزامنت هذه الآيات مع إعلان الحرب المفتوحة ظهور إشكالية «مواجهة الأحباب» من الأهل والأقارب والأصدقاء من المشركين، علماً بأن توقيت إعلان الحرب المفتوحة بدأت أولى تحركاتها بعد إعلان بيانها الأول بعد غزوة الخندق عام 5 للهجرة، حين قال الرسول صلوات الله عليه: «الآن نغزوهم وَلا يَغْزُونَنَا»، أي الانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، والتي كانت أولى معاركها غزو خَيْبَر، وهي أول حرب هجومية عام 7 للهجرة، تلاها فتح مكة والتي حدثت بأقل الخسائر دون صدامات مباشرة وحقيقية، ليأتي بعد فتح مكة التحضير الشامل لمواجهة للجميع دون استثناء، وتبرز قضية قتال الأقارب، والتي وضعها الدين في ميزان الإيمان «إما معنا أو معهم»، فلا موالاة للكفار المحاربين مهما كانوا، ومهما كانت درجة الارتباط، فالارتباط بالله ورسوله أعظم.