


عدد المقالات 191
في أحد الأيام كنت جالسة مع العائلة، الجلسة كانت راكدة ما بعد صلاة العصر، مستمتعين برائحة الشاي الأحمر بالنعناع مع دفء أشعة الشمس في أرجاء الصالة. فإذا إحدى عماتي بدأت الحديث عن طائرة «أم أحمد»، ولماذا كانت تفضل ركوب السفينة للسفر بدل تلك الطائرة رغم قصر الرحلة على متن الطائرة الجديدة! وصفها كان ممتعا جدا، دقيقا، مليئا بالتفاصيل الشيقة، المضحكة والمواقف المليئة بالعفوية بين الناس. انتقلنا من موضوع إلى موضوع آخر، من منطقة إلى منطقة أخرى، إلى أن وصلنا إلى قصص والدي رحمه الله التي لا أمَلّ منها إطلاقا، فعلى قدر استماعي لتلك القصص، أقول بنفسي إنني ابنة ذلك الرجل المحبوب بين الجميع –رحمك الله وأدخلك فسيح جناته-. حدثتني جدتي مرة عن زمن الفقر والمعاناة وكيف كانت الحياة الاجتماعية وسرقة الأطفال لتزويجهم أو ضياعهم في الفرجان في عتمة الليل المخيفة المظلمة، الحياة كانت صعبة جدا، زمن شاق وحزين، فمن الصعب أن يستمع الشخص إلى مثل هذه القصص ويقارنها بالفلكلور التراثي الطربي الشائع اليوم، الحزن والهم والجشن كانوا قاسين في ذلك الزمان، فما زالت التراجيديا التراثية تصور مشاهد محدودة جدا لتلك الأيام القاسية. مثل هذه الجلسات كانت استرجاع ذكريات ذهبت مع الزمن وتغير عليها الزمن لزمن حديث، متطور جدا ورقمي. منظوره واسع وجديد جدا على من واكبوا عصر الشح، الفقر وطفرة البترول حينها. ولكنها ما زالت خالدة في أذهانهم، ما زالت قصص تقال وتذكر. ما زالت تشغل حيزا ما بين عقولهم وقلوبهم بانتظار أحد ما يسألهم عن ماضيهم وأحواله. قصص وخيال وخرافات واعتقادات وعادات، نسمعها ولا نقرأها، تذكر ولا تنشر، تسرد ولا توثق. التاريخ الشفوي يعتبر إحدى طرق التوثيق، بل ليس بغريب على التاريخ اعتماد السرد الشفوي، فأغلب الروايات والمعلقات بدأت بالتناقل الشفوي، بل واعتبر التاريخ الشفوي حينها كشهادة ومصدر معترف به. الإشكالية تقع بالاعتماد اليوم على التاريخ أو التوثيق الشفوي كجزء ثانوي خلال عملية البحث، وأعتقد أحد الأسباب الرئيسية لتدني بروز التاريخ الشفوي بما يرتبط بالتراث الشعبي، هو عدم المصداقية وكبر السن بما يترتب عليه النسيان والتخريف إلى حد ما. لأول مرة أسمع أن طائرة أم أحمد كانت كراسيها متحركة، ليست ثابتة كما هي طائرات اليوم. حينما انتهت عمتي من سرد مغامرات الطائرة إلا أنني كنت مستمتعة بحديثها وبتفاصيل الطائرة، خيالي متعمق في تفاصيل الطائرة وركابها وأمتعتهم المتنوعة جدا والمتناثرة كل مكان دون ضوابط ولا أمن وسلامة! إلا أنني عقبت باندهاش على قصصها قائلة: «عميمة لازم كلامج يتسجل» وبدأ الجميع يضحك، وأنا كنت جادة نوعا ما فيما قلت ولكن ماذا كنت أنتظر حتى أبادر بالتسجيل! وهل يستحق الموضوع التوعية بين الوسط المجتمعي لحفظ التاريخ الشفوي! أعتقد أن تسجيل مثل قصص طائرة أم أحمد بتفاصيل الرحلة وركابها ومغامراتهم وعفويتهم، وتخزينها في «فلاش درايف» أو ذاكرة بيانات لحفظها في مكتبة منزلك الخاصة، يعتبر إرثا وثروة تراثية لا تقدر بثمن.
لست متأكدة ما إن كانت هذه نهاية ورقية لجريدة محلية؛ حيث يعي معها الكاتب لنهاية عموده الصحافي، أم أنها بداية جديدة بنقلة نوعية وارتقاء تكنولوجي يخلفه توديع للورق؛ إذ نحن في واقع ما بين المرحلتين:...
تصوّر لو أن المشاعر ما زالت مسطّرة بين أوراق كتب، أو ورق بردي أو حتى على قطع جلد دار عليه الدهر، تخيّل لو كان الغناء طرباً ذهنياً، وكانت الحكايات قصصاً على ورق، حين تتيح لك...
أن يمر العالم بقحط ثقافي، فهذا ليس بأمر عادي، فتبعاته كثيرة، ولكن لنعتبره في البداية أمراً وارداً في ظل الأزمات التي لم تكن في الحسبان، ولا تقف الأزمات عند السياسة، بل لاحظنا وبمرارة كيف للأمراض...
عرس، احتفال، تجمع أو عزاء، مجمع، حديقة، مقهى وممشى، هل نحن قادرون على استيعاب صدمة لم تخطر على البال؟! مصطلحات اقشعررت منها شخصياً، قد تكون الفكرة واضحة بأن الأولوية ليست في التجمعات البشرية على قدر...
كما هو الحال الراهن، تظل مسألة انتشار فيروس «كوفيد 19» مستمرة، ولا يأس مع الحياة كما يقولون، حتى ولو زادت أعداد المصابين وتدرجت أعداد المتعافين، إذ إن الآلية مستمرة ما بين محكين، عند مواجهة الإصابة...
من أبرز ما يتم التركيز عليه في الوقت الراهن هو مفهوم الهوية الوطنية، وأدرك أنني بالتزامن قد أبتعد عن احتفالات يوم وطني، وقد تكون المسألة صحية في واقع الأمر عند تكرار أهمية المفهوم وغرسه بعيداً...
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أهمية أخذ الحيطة والحذر من انتشار فيروس «كورونا» بوتيرة سريعة، كما هو حاصل مع الأعداد المتزايدة لحاملي الفيروس في الشرق الأوسط. لم تصل الحالة إلى إنذار وبائي -لا قدّر الله-...
غير مستبعد أن يُتهم المثقف بأمراض شتى، أو كما أطلق عليها الباحث عبدالسلام زاقود "أوهام المثقفين"؛ حيث تؤدي إلى موته السريع. وتُعتبر الأوهام سبباً في تدنّي إمكانياته المخلصة وولائه الإصلاحي تجاه مجتمعه، فالمثقف ما إن...
ما يحدث في المجتمعات اليوم هو في الحقيقة إخلال في الحركات الكلاسيكية، أو لنقل في المنظور القديم الذي كان يقدّم نمطاً معيناً في تسيير أمور الحياة، وهذا ليس خطأ، إنما يُعدّ أمراً طبيعياً وسليماً، عندما...
وتستمر الاحتفالات والتوقيتات التي تتزامن مع احتفالات اليوم الوطني، ولا يسعنا في الحقيقة الحديث عن مواضيع بعيدة جداً عن مسألة نستذكرها بشكل أكبر خلال موسم الاحتفالات، ترتبط بالانتماء وتعزز من المفهوم الذي طالما كان محط...
«إن كل الناس مثقفون، لكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا وظيفة المثقفين في المجتمع». نظرية سردها الفيلسوف السياسي أنتونيو غرامشي، حول مفهوم النخبة. ومن هنا سأحلل المقولة وأقول إن جميع الناس مثقفون بالتأكيد، فالثقافة لا...
في البداية، دعوني أعتذر منكم على غصة انتابتني من بعد قصة واقعية مؤلمة، تأثرت بها وأدخلتني في عوالم كثيرة وتساؤلات عميقة. فحتى من الأمثلة التي ستُذكر في هذا المقال لم تُستدرج في الرواية؛ إنما هي...