الإثنين 7 رمضان / 19 أبريل 2021
 / 
02:28 ص بتوقيت الدوحة

(ما أطيب اللقيا بلا ميعاد)

د. زينب المحمود
سر من أسراري، وخبر من أخباري، ومشيئة شاءت بها أقداري، أن أعيش حتى أرى لحظة انطلاق القدرة، وتوجيهها نحو بؤرة النجاح، إنها بداية نقطة الشعاع، إنها زاوية الأساس وحجره، إنها من علمتني كيف يكون حب اللغة العربية، وبصّرتني بحروف الأبجدية، وبيّنت لي سبب عشق الهجائية؟
كانت تردد دوماً: «اللغة العربية يا طالبات، أعظم لغة»، وكانت تزيدنا شموخاً حينما نكتب جملاً مشكّلة بالحركات الإعرابية، وتطربنا بسماع صوت الطباشير حينما تخط علامات الترقيم، وتنعشنا بصفات الأصوات همس، وجهر، وترقيق وتفخيم، وكل ما يحتاج إليه بناؤنا اللغوي من صقل وترميم.
إنها ذكريات تليدة، سطّرت منذ ما ينوف على سبعة وعشرين عاماً، عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي. أعترف أنها كانت أول معلمة يتغلغل حبها إلى قلبي، فصرت أعشق درسها وأترقبه، وقادني شغفي بها وبدرسها إلى مجاسرة علمها ومحاصرة فكرها، بل وزلزلة حجرات المخّ مخّها، إن استطعت، في سبيل اقتناء مفردات لغتها الفصيحة الجميلة التي بدت لي لغة المستقبل والأمجاد التي تنتظرني. كانت حينما تطلب مني قراءة الدرس تشير إليّ بنظرات ممزوجة بابتسامة، يكتنفها الحزم والجزم بوجوب الإتقان.
معلمتي، غاليتي، يا درة الأكوان، يا منارة الأجيال الصاعدة، ويا صانعة العزيمة الصامدة، وشاعرة: أنا حصادك الحاضر، وإبداعك الماهر، وإرادتك الأبية، وشيمتك النبيلة. أنا اليوم أمثّل اللغة العربيّة بلقب «فصيحة قطر»، و»فصيحة العرب»، و»شاعرة الفصحى»، ومتخصصة في علم اللغة «اللسانيّات» والمعجمية العربية. فلم أكن لأنطلق إلا برسمك نقطة الشروع والبدء لي، فلو قال قائل: من أين لك بزخم العربية هذا كله يا زينب؟ لرددت: هذا بفضل الله سبحانه، ثم والديّ، ثم بفضل معلمة اللغة العربية التي أمسكت بيدي لأقدّم للعالم أجمل لغة، لغة الضاد.
نعم، قابلتها بعد أعوام طويلة مضت، حينما لبيت دعوة مدرسة مميزة من مدارس قطر الحبيبة، مدرسة «أم حكيم الثانوية المستقلة للبنات»، لقاء حاسم، عصفت فيه الذكريات، وتهيجت فيه المشاعر، وعلت التنهيدات، وغمرت الفرحة قلبينا. قدّمت ما قدمت، وعرضت ما عرضت أمام معلمتي، فكانت مشاعر الفخر تغلف ملامحنا، فأنا فخورة بأني نبت معلمتي الذي أثمر وأينع وأبهر، وهي فخورة كونها استطاعت أن تخلق بأسلوبها وعلمها من لبى توقعاتها، وأبدع فيما سمع وتعلّم وتربّى. أتدرون من تكون معلّمتي؟ إنها مديرة مدرسة أم حكيم الثانوية المستقلة للبنات، المعلمة والمربية (مريم الشهواني) حفظها الله.

اقرأ ايضا

البدء بالأهم دائماً

01 يوليو 2018

نونيّة الرندي

01 مارس 2020

أمرٌ عجيب!

24 يوليو 2016

عالم البوتقة

07 مايو 2017

المثقف

10 فبراير 2019

ما زال صغيراً

19 مارس 2017