السبت 20 ربيع الثاني / 05 ديسمبر 2020
 / 
04:54 م بتوقيت الدوحة

مأزق المادة (٢٤١) في الدستور المصري! (١-٢)

أسامة عجاج
من جديد تثبت الوقائع أن النظام المصري أوقع نفسه في مشاكل، هي من صنع يديه، وأنه عندما دعا إلى وضع دستور جديد في بيان ٣ يوليو ٢٠١٣، ونفذ وعده بالاستفتاء عليه الذي أجراه في يناير ٢٠١٤، وشارك فيه حسب أرقامه هو -بغض النظر عن صحتها- أكثر من ٢٠ مليونا، وتم إقراره بنسبة أكثر من %٣٦ من عدد الناخبين المقيدين في الجداول الانتخابية، كان يبحث عن استكمال شكل فقط، وليقول للعالم إن هناك نظاما ديمقراطيا يحكمه قانون ودستور، أما مسألة الالتزام ببنوده التي وضعها هو، دون ضغط من أحد، فهي خاضعة لظروف النظام وهواه، وقد ظهرت مؤشرات ذلك في الموازنة العامة التي تم إقرارها، والتي لم يتم بها تخصيص %١٠ من الناتج القومي للصحة والتعليم والبحث العلمي، كما نص الدستور، وهو يدخل في مأزق جديد، يتعلق بتنفيذ المادة ٢٤١ منه، والتي تنص على: «يلتزم مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور، بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة واقتراح أطر للمصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقا للمعايير الدولية».
دعونا نشير إلى أن مصر لن تكون استثناء من القاعدة إذا قررت السير في طريق العدالة الانتقالية، فهناك تجارب عديدة في دول العالم سعت إلى تحقيقها، بعد أن شهدت بلادها أحداثا مشابهة لما جرى في مصر منذ يناير ٢٠١١، وهي المرحلة الزمنية التي تحتاج إلى ذلك، لمحاولة معالجة وتضميد الجراح الحادثة في المجتمع، الناتجة عن انتهاكات حقوق الإنسان، وتضميد جراح المجتمع والأفراد، من خلال السعي الحقيقي لتحقيق العدالة للضحايا، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، واستعادة سيادة القانون، وضمان عدم تكرار تلك الانتهاكات، والتعايش المشترك، وذلك من خلال لجان تقصي الحقائق، والمحاكمات الجنائية، وتعويض الضحايا، وجبر الأضرار، وإصلاح المؤسسات المعنية، خاصة في الأمن والقضاء، والتجارب أكثر من أن تعد أو تحصى، وإن كان البعض يقدرها بـ٤٠ تجربة منذ سبعينيات القرن الماضي، وأشهرها تجربة جنوب إفريقيا عن طريق لجنة الحقيقة والمصالحة في زمن نيلسون منديلا، لمعالجة نتائج سياسة الفصل العنصري، وتجربة الأرجنتين عن طريق اللجنة الوطنية للتحقيق في شأن الأشخاص المفقودين، ووصل عددهم إلى ٣٠ ألف فقيد، و١٥ ألف قتيل، و٩ آلاف سجين. وهناك التجربة المغربية وتنفيذها عبر هيئة الإنصاف والمصالحة، وفي روندا في عام ١٩٩٠ ونفذتها اللجنة الدولية للبحث في انتهاكات حقوق الإنسان، وفي الأرجنتين عام ١٩٨٣ عن طريق الهيئة الوطنية حول اختفاء الأشخاص، وفي البرازيل قد تكون الأحدث في عام ٢٠١٢، بواسطة هيئة الحقيقة والمصالحة، والهيئة الرئاسية حول حقوق الأشخاص بالفلبين عام ١٩٩١، ونفس التجربة شهدتها جواتيمالا وتوجو وبوليفيا وأوغندا، وكلها كما نلاحظ من دول العالم الثالث، التي لا تختلف ظروفها عن مصر.
أما في مصر فنحن كثيراً ما نهتم بالشكل دون المضمون، ونعاني من ظاهرة الحماس الذي يفتر سريعا، فبعد أحداث ٣ يوليو ٢٠١٣ بأيام، وفي ظل تشكيل حكومة جديدة برئاسة حازم الببلاوي، أضيف إلى التشكيلة الوزارية وزارة جديدة للعدالة الانتقالية، لم يكن لها أي دور في ظل حالة الاستقطاب الشديدة في المجتمع المصري، وتوغل الدولة وتوحد أجهزتها في مخالفات جسيمة وانتهاكات حقوق الإنسان تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، ومواجهة مخططات التآمر على مصر، والسعي إلى هدمها، ولم تمر سوى شهور قليلة حتى تم إلغاؤها، وكان ذلك في مارس ٢٠١٤ في حكومة إبراهيم محلب، وتحول الاهتمام الأول للوزارة الجديدة إلى متابعة مجلس النواب، أما العدالة الانتقالية فقد ألحقت بها كمهمة ثانوية، مع الوضع في الاعتبار أن السلطة التنفيذية هي المسؤولة عن كثير من المظالم المطلوب التعاطي معها، وكان من الأوفق إسناد هذا الملف إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان، والسعي إلى إصدار قانون لإنشاء مفوضية مستقلة العدالة الانتقالية، على أن تكون تابعة مباشرة لرئاسة الجمهورية.
في المقال القادم نناقش هل مصر جادة في خوض تجربة تحقيق العدالة الانتقالية وفقا للمعايير الدولية.

اقرأ ايضا

للعدالة وجوه أخرى!

12 ديسمبر 2013

المتحولون..!!

25 يونيو 2014

القلعة المستباحة..!

03 يناير 2015

سعود الفيصل..

16 يوليو 2015

للصبر حدود..!

28 يناير 2016

جماعة تحت الطلب!

25 أغسطس 2016