alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة

عدد المقالات 47

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة 21 أكتوبر 2026
لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا
د. علي محمد الصلابي - الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين 22 أكتوبر 2026
تأملات في إعجاز القرآن: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ»
رأي العرب 23 أكتوبر 2026
تقدير أمريكي لدور قطر في الوساطة

الخليج في مواجهة استحقاق القوة والسيادة

25 أكتوبر 2026 , 12:30ص

لم تكن تصريحات توم باراك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة مفاجئة، ولم تحمل اكتشافاً استراتيجياً جديداً؛ فإرهاصات التحول الأمريكي كانت واضحة منذ سنوات، وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتكشف ما حاولت الخطابات الدبلوماسية طويلاً التستر عليه، أن الضمانة الأمنية الأمريكية لم تعد ضمانة مطلقة، وأن دول الخليج قد تجد نفسها مطالبة بدفع أثمان حروب لم تقرر خوضها، وتحمل تبعات مواجهات سعت أصلاً إلى منع اندلاعها.
الجديد في تصريحات باراك ليس مضمونها، بل صراحتها المباشرة؛ إذ لم يعد المسؤول الأمريكي مضطراً إلى تجميل حقيقة أن واشنطن تريد الاحتفاظ بنفوذها العسكري والسياسي في المنطقة، دون أن تتحمل بالضرورة الالتزامات التي تأسس عليها ذلك النفوذ. فحين يعلن أن الولايات المتحدة لم تعد الضامن الأمني للعالم كما كانت طوال السنوات الماضية، فإنه لا يصف مجرد تعديل في السياسة الخارجية، بل يعلن عملياً نهاية عقد استراتيجي حكم علاقات واشنطن بحلفائها لعقود.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر خطورة، الولايات المتحدة تريد الاحتفاظ بحق التأثير في القرارات الأمنية الكبرى، لكنها لم تعد راغبة في تحمل المسؤولية الكاملة عن نتائجها وتطالب حلفاءها بتحمل كلفة المخاطر التي قد تنتج عن سياساتها. 

الحرب وحدود الضمانة الأمريكية
منذ بداية التصعيد مع إيران، حاولت دول الخليج تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة، انطلاقاً من إدراكها أن الحرب لن تقتصر على الأطراف المباشرة، وأن الجغرافيا الخليجية ستكون من أولى ساحات ارتداداتها. لكن محاولات التأثير في القرار الأمريكي اصطدمت بمنطق مختلف داخل إدارة ترامب، يقوم على توظيف التفوق العسكري لتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز الحسابات الأمنية لحلفاء واشنطن.
والمفارقة أن الدول التي استثمرت لعقود في شراء الأسلحة الأمريكية، واستضافة القواعد العسكرية، وتعزيز الشراكات الدفاعية، اكتشفت أن هذه الترتيبات لا تمنحها بالضرورة تأثيراً موازياً في القرارات التي تحدد مستقبل أمنها.
لقد كشفت الحرب عن خلل بنيوي في العلاقة الأمنية الخليجية الأمريكية، امتلاك الحماية لا يعني امتلاك القرار، واستضافة القوة العسكرية لا تضمن التحكم في استخدامها، والتحالف مع قوة عظمى لا يمنع انتقال أعباء صراعاتها إلى أراضي الحلفاء.
والأخطر من ذلك أن المخاوف الخليجية لا تتعلق باستمرار الحرب وحده، وإنما باحتمال انسحاب الولايات المتحدة من المواجهة قبل الوصول إلى تسوية مستقرة، تاركة دول المنطقة أمام إيران أكثر غضباً، وبيئة إقليمية أشد اضطراباً، ومعادلة ردع تعرضت لاختبارات قاسية.
وبذلك تصبح دول الخليج أمام خطرين متناقضين: استمرار الانخراط الأمريكي الذي قد يوسع الحرب، أو تراجعه الذي قد يترك المنطقة أمام نتائجها.

نهاية المقايضة التاريخية
استندت العلاقات الخليجية الأمريكية، منذ عقود، إلى معادلة غير مكتوبة تقوم على ضمان تدفق الطاقة واستقرار الأسواق مقابل توفير المظلة الأمنية الأمريكية. ورغم ما شهدته هذه المعادلة من تحولات، فإن جوهرها ظل قائماً على افتراض أن أمن الخليج يمثل مصلحة استراتيجية أمريكية لا يمكن التخلي عنها.
لكن تصريحات باراك تعكس تحولاً في تعريف المصالح الأمريكية نفسها. فواشنطن لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مركز الثقل الوحيد في استراتيجيتها العالمية، كما أن تراجع اعتمادها المباشر على النفط المستورد، وصعود المنافسة مع الصين، والضغوط السياسية الداخلية، أعادت تشكيل حسابات التدخل العسكري الخارجي.
غير أن الحديث عن انتهاء المقايضة القديمة لا يعني انتهاء المصالح الأمريكية في المنطقة. فما زالت واشنطن تحتفظ بقواعد عسكرية وشراكات اقتصادية وتكنولوجية واسعة، وما زال أمن الممرات البحرية والطاقة والتوازنات الإقليمية جزءاً من مصالحها العالمية.
المشكلة إذن ليست في انسحاب أمريكي كامل، بل في احتمال نشوء نموذج أكثر اختلالاً: حضور عسكري مستمر، والتزامات أمنية أقل وضوحاً، ومطالب متزايدة بأن يتحمل الحلفاء تكلفة الدفاع عن أنفسهم. وهذا التحول قد يجعل العلاقة أكثر تعقيداً، لأن الولايات المتحدة تريد المحافظة على نفوذها الاستراتيجي دون الالتزام بالضرورة بجميع الأعباء المترتبة عليه.

الخليج في خضم الصراعات 
لم تنتظر دول المنطقة تصريحات باراك كي تدرك أن المعادلة الأمنية القديمة بدأت تتصدع. فقد سبقت الرسالة الأمريكية تحركات دفاعية تعكس اتجاهاً متزايداً نحو تنويع الشراكات وبناء قدرات عسكرية مستقلة نسبياً عن المظلة الأمريكية.
وفي هذا السياق، وقعت قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا، في الحادي والعشرين من أكتوبر، مذكرة تفاهم ضمن مشروع «بدر» متعدد الأطراف لتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية. وتزامن ذلك مع توجه قطري لإنشاء مركز للصناعات الدفاعية، بما يفتح المجال أمام تطوير الإنتاج العسكري المحلي والاستثمار في التقنيات الدفاعية الحديثة. 
وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة لأنها تعكس انتقال التفكير الأمني من الاعتماد على استيراد السلاح إلى محاولة امتلاك القدرة على إنتاجه وتطويره. الحروب الحديثة أثبتت أن امتلاك منظومات عسكرية متقدمة لا يكفي إذا ظلت صيانتها وذخائرها وتحديثاتها التقنية خاضعة لقرارات المورد الخارجي.
والتطور الأكثر أهمية تمثل في اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، المعروفة باسم (حلف مكة)، الموقعة في أغسطس 2026، والتي تنص على اعتبار الاعتداء على أي دولة من الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، وفي الخامس من أكتوبر، انتقل التحالف إلى مرحلة تفعيل الالتزامات الدفاعية واتخاذ إجراءات لتوفير القدرات العسكرية المتفق عليها. 
هذه التحركات لا تعني ولادة نظام أمني بديل مكتمل، لكنها تكشف عن إدراك متزايد بأن الاعتماد الحصري على واشنطن لم يعد خياراً استراتيجياً آمناً.
 المعضلة الإيرانية وحدود الردع
لا يمكن فصل هذه التحولات عن التحدي الإيراني. فالحرب أظهرت أن التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي لا يلغي قدرة إيران على تهديد المصالح والمنشآت الحيوية في المنطقة، كما أن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لا يعني بالضرورة إزالة مصادر التهديد أو ضمان الاستقرار.
لكن اختزال الأمن الخليجي في مواجهة إيران وحدها سيكون خطأً استراتيجياً آخر. فالأمن الإقليمي يتطلب الجمع بين الردع العسكري والتسويات السياسية، وبين امتلاك القدرة الدفاعية وإيجاد قواعد للتعايش مع الجوار الجغرافي.
إيران حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن إلغاؤها، كما أن سياساتها العسكرية والإقليمية لا يمكن تجاهل مخاطرها. ومن ثم فإن المطلوب بناء توازن يمنع الاعتداء، دون تحويل المنطقة إلى ساحة مواجهة دائمة تستنزف مواردها وتعرض مستقبلها للخطر.
والأهم أن أي منظومة أمنية خليجية إقليمية جديدة ينبغي ألا تكون امتداداً آلياً لأولويات واشنطن أو أنقرة أو إسلام آباد، وإنما تعبيراً عن تعريف خليجي مستقل للمصالح والتهديدات.

 استقلالية الأمن والدفاع التدريجي 
 لقد وضعت الحرب دول الخليج أمام حقيقة يصعب تجاهلها، الولايات المتحدة قد تبقى شريكاً عسكرياً رئيسياً لعقود مقبلة، لكنها لم تعد مستعدة لتقديم الضمانات بالشروط التي اعتادت عليها المنطقة.
إن الاستجابة العقلانية لا تكمن في القطيعة مع واشنطن، ولا في التسليم المطلق باستمرار هيمنتها، بل في إعادة صياغة العلاقة معها على أساس الشراكة المتوازنة، بالتوازي مع بناء استقلال دفاعي تدريجي.
فالدرس الأهم من تصريحات باراك ليس أن الولايات المتحدة قررت التخلي عن حماية الخليج، بل أن الخليج لم يعد يستطيع بناء مستقبله على افتراض أن الولايات المتحدة ستظل مستعدة لحمايته.
والفارق بين الأمرين جوهري؛ لأن الأول يترك مصير المنطقة معلقاً بقرار أمريكي، بينما يفتح الثاني الباب أمام استعادة المبادرة وبناء القوة الذاتية.
لقد انتهى زمن الاطمئنان إلى الضمانات الخارجية بوصفها بديلاً عن القدرة الوطنية والجماعية. أما السؤال الذي سيحدد مستقبل الخليج، فليس من سيحميه بعد أمريكا، بل متى يصبح قادراً على حماية نفسه، وتقرير خياراته، ومنع الآخرين من تحويل جغرافيته إلى ساحة لحروبهم.

لا تجعلوا خلافاتنا سلاحًا في أيدي خصومنا

حين تصبح الكلمة خطرًا على الأوطان، وحين تتحول المنصات الاعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين أبناء البيت الخليجي الواحد، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر في الرأي، بل أمام أزمة أعمق تتعلق بوعينا السياسي، ومسؤوليتنا...

عن الحرب والتفكيك والمشاريع الإقليمية

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد أهمية قراءة ما يدور داخل مراكز التفكير وصناعة القرار في إسرائيل، ليس فقط لفهم توجهاتها الراهنة، بل لاستشراف ملامح سياساتها المستقبلية. والأهم هو الإصغاء إلى أصوات أولئك الذين شغلوا مواقع...

واشنطن والعودة إلى اتفاق أوباما مع إيران

ماذا لو انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية، بما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، إلى اتفاق يشبه في جوهره الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، قبل أن ينسحب منه دونالد...

الذاكرة في مواجهة العقل النقدي

منذ أكثر من قرنين، يعيش جانب كبير من المجال العربي والإسلامي حالة دفاع نفسي وثقافي متصلة. تجربة الاستعمار، والانكسار أمام التفوق الغربي، وسقوط الإمبراطوريات، وتمزق المجال السياسي، وقيام إسرائيل، ثم موجات الحروب والتدخلات الأجنبية، كلها...

النخب العربية والصراع على قيادة العربة

ليست المأساة أن بعض أنظمة الحكم العربية ما تزال تعيش خارج عصرها؛ فقد أصبح ذلك وللأسف جزءًا مألوفًا من المشهد العام. المأساة الأعمق أن قطاعًا واسعًا من النخب المثقفة سواء تقيم في المنطقة العربية أو...

الحضارة بين سطوة المادة وقلق الروح

عدت إلى نيويورك بعد غياب أكثر من عقد من الزمن. كانت العودة أشبه بلقاء مدينة أعرفها ولا أعرفها في الوقت نفسه. بدت ملامح المدينة وقد تغيرت في تفاصيل كثيرة، لكنها احتفظت بجوهرها القديم القائم على...

قطر وفرنسا: بناء الشراكة عبر الثقافة والمعرفة

العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم التجارة بينها، ولا بعدد الاتفاقيات التي توقعها، ولا حتى بمستوى التنسيق السياسي والأمني، على أهمية كل ذلك. فالعلاقات الأكثر رسوخًا هي تلك التي تتجاوز المصالح الآنية إلى بناء...

حين يعيد الفن صياغة السردية الأوروبية

ثمة لحظة في المتاحف الكبرى تتجاوز فيها اللوحة إطارها، ويتحوّل فيها الفن إلى سؤال يربك ما نظن أننا نعرفه. هذا ما شعرت به وأنا أبتعد قليلًا عن مباني الأمم المتحدة ومؤسساتها وزحام اجتماعاتها، على هامش...

قطر في الأمم المتحدة.. نحو أمن إقليمي جديد

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها منطقة الخليج تحولات عميقة أعادت طرح...

منتدى قطر الاقتصادي: الاقتصاد في زمن الزلازل الجيوسياسية

لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك في فضاء منفصل عن السياسة، ولم تعد الأسواق قادرة على التعامل مع الحروب والتوترات الجيوسياسية باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواء آثارها في أسعار النفط أو مؤشرات الأسهم. وهذه، في تقديري،...

مستقبل الصحافة لا يُطبع على الورق

هل تجاوزنا فعلًا زمن الحديث عن استمرارية الصحف الورقية، أم أن النقاش لا يزال يحاول الصمود أمام تحولات غيّرت صناعة الإعلام من جذورها، من صعود المنصات الرقمية إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعيد اليوم تعريف...

تجّار الحروب: الخليج لن يدفع ثمن صراعات الآخرين

بين حين وآخر، تجد دول الخليج نفسها في مرمى هجوم منسق وحملات سياسية وإعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النقد المشروع، ولا يمكن اختزالها في مجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر. المشكلة تبدأ حين...