


عدد المقالات 307
ينبغي الحذر، ينبغي أقصى الحذر، فالعلاقات الدولية لا تنفك تغدو مفعمة بحساسيات من كل نوع. كل ما يتعلّق بالهوية والسيادة والاستقلالية وغيرها دخل في معترك إثبات الذات، ولا ينطبق ذلك على أمم دون أخرى، فالدول الكبرى تكاد تتقارب مع تلك الأصغر في همومها الوجدانية، وإنْ لم تكن متماثلة في القوة والإمكانات. ولعل انتخاب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة أجّج صراع المفاهيم والقيم هذا، مصحوباً بحروب تجارية وعقوبات ترمي إلى تدمير اقتصادات الشعوب. لكن الخلاف المتصاعد بين أميركا وتركيا بات ينطوي على أبعاد دينية، وإن لم يكن هذا منطلقه الأساسي. يكفي النظر إلى السجالات الكلامية: إذ تساءل رجب طيب أردوغان هل يمكن ضرب علاقة مع حليف استراتيجي «من أجل قس؟»، أما ترمب فختم سلسلة تهديدات بالقول إن «لا تراجع ولا تنازلات» في قضية القس أندرو برانسون. اتسعت الهوّة بين الموقفين، إذ ترى أنقرة أن القضاء التركي هو الذي يبتّ في الاتهامات الموجهة إلى برانسون، فيما تعتبر واشنطن أن المسألة سياسية وتُحلّ بقرار سياسي. عندما يقول ترمب إنه لن يتراجع فهو يخاطب أنقرة، لكنه يتوجّه أولاً إلى الإنجيليين، ليس فقط لأن القس برانسون ينتمي إليهم، بل أيضاً لأنهم خزّان أصوات يحتاج إليها لدعم المرشّحين الجمهوريين في الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل. وبالتالي فهو لا يستطيع أن يسجّل فشلاً قبل هذا الموعد. لكن كيف ينجح إذا كانت مقاربته للقضية بدأت خاطئة ومتجاهلة وجود خلافات مهمّة عالقة مع تركيا، وأبرزها ملف الداعية فتح الله غولن الذي تعدّه أنقرة مهندس المحاولة الانقلابية منتصف يوليو 2016، وكذلك تسليح الأكراد في سوريا، بمن فيهم حزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابياً. طلب ترمب إطلاق القس بأوامر فوقية عاجلة، ثم راح يفرض العقوبات ويهدّد بالمزيد، فيما قرر أردوغان التعامل بالمثل: عقوبات مقابل عقوبات، وتحدّيات مقابل تهديدات. كل ذلك قاد القضية إلى انسداد، وشكّل تفجّرها مؤشّراً لنهاية بعض ملابسات تشبه عمليات احتجاز الرهائن والتفاوض لتبادلهم، إذ تبيّن أن توقيف هاكان آتيلا نائب مدير «خلق بنك» التركي في واشنطن بذريعة انتهاك مصرفه العقوبات على إيران، ثم توقيف الناشطة التركية إيبرز أوزكان في إسرائيل للاشتباه بتعاونها مع حركة «حماس»، كانا لأسباب مختلقة ويرميان إلى تحريك الاتصالات في شأن القس برانسون الذي يُحاكم بسبب علاقة موثّقة مع جماعة غولن وحزب العمال الكردستاني، ولم تغيّر صفته الدينية شيئاً بالنسبة إلى تركيا. أما ارتباط ترمب بالإنجيليين فجعله يطلب من إسرائيل الإفراج عن الناشطة المحتجزة، كما أنه عرض إطلاق المصرفي المحتجز، ولم تستجب أنقرة لـ «صفقة تبادل» كهذه، سواء لأنها تقلّل من شأن القضاء التركي، أو لأن واشنطن تتهرّب من أي بحث إيجابي في ملف غولن. من النادر أن يتحوّل خلافٌ بين «حليفَين» إلى صراع إرادات شخصية، ليس فقط لأن هذا يعقّد البحث عن حلول، بل الأهم لأنه يفاقم الخلفيات العقائدية أو الأيديولوجية التي يتمسّك بها كل طرف أو يستند إليها. ومن الواضح في حال برانسون أن تركيا ليست معنية بكونه قسّاً إنجيلياً، وإنما بقيامه بنشاط سياسي، معتقداً أن صفته الدينية يمكن أن تغطّيه. ولو أن واشنطن أرادت فعلاً إطلاقه سريعاً لما اعتمدت أساليب ترمب وتحدّياته، فثمّة مبادرات سياسية كان ولا يزال ممكناً اتّباعها لتحقيق أهداف الطرفين، من دون إقحام بلوغ وضعية صعبة مثل: إرادة مَن تنتصر في النهاية، ترمب أم أردوغان؟
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...