السبت 3 جمادى الآخرة / 16 يناير 2021
 / 
01:11 م بتوقيت الدوحة

موسم الهجرة إلى.. السودان!!

أحمد حسن الشرقاوي
قرأت «موسم الهجرة إلى الشمال» للأديب السوداني الشهير الطيب صالح في أواخر سبعينيات القرن الماضي ، وكانت تعجبني فيها طريقة «الراوي»، حيث كان الأديب الكبير هو الذي يقوم بهذا الدور وهو الذي يصف المشاهد والشخصيات في الرواية بطريقة «الحكواتي» المعروفة في الريف المصري.
كانت للراحل العظيم الطيب صالح طريقة «الحكاء» المميزة للغاية سواء في الكتابة أو الحكي، وكانت هذه الطريقة تشعل خيال الفتيان أمثالي في هذه السن المبكرة من العمر والخبرة، حيث تمنحني القراءة عالما خاصا بي وحدي، أتخيل من خلاله شخصيات الرواية وأرسم ملامحها، بل وأمتلك حقوق ملكيتها الفكرية.. هكذا كنت أفكر في تلك المرحلة من عمري، لدرجة أنني أنكرت لسنوات أداء الممثل شكري سرحان والفنانة سامية جمال لدورهما في فيلم «شباب امرأة»، حيث قرأت الرواية التي أبدعها الفذ الراحل أمين يوسف غراب بنفس الاسم قبل أن أشاهد الفيلم.
المهم، إن رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» تلخص معاناة بطلها «مصطفى سعيد» الشاب القادم من أعماق الريف السوداني لاستكمال رحلة تعليمه في الغرب: في بريطانيا يحصل على وظيفة كمحاضر في إحدى الجامعات هناك ويتبنى قيم المجتمع البريطاني ويتعرف إلى زوجته، جين موريس، وهي امرأة بريطانية ترفض قبول إملاءات زوجها. بعد سبعة أعوام يعود مصطفى إلى بلاده، حيث يلتقي هناك بصورة مفاجئة براوي القصة الذي عاش أيضا في بريطانيا. ومن خلال هذا اللقاء تتصاعد الأحداث حتى ينتحر الراوي غرقا في النيل وهو متجه إلى الشمال في رحلة بحث سرمدية عن الضوء والأمل.
النهاية المأساوية للراوي في هذه الرواية -وليست لبطل القصة- دلالة عجيبة في مشهد التناول الموسمي لأبواق الدعاية الانقلابية المصرية للانتقادات الموجهة للنظام الانقلابي ولزعيمه عبدالفتاح السيسي وهم من أشد مؤيديه ومناصريه.
ولا أجدني مصدقا أو مقتنعا أبداً أن تلك الانتقادات من إبراهيم عيسي ووائل الإبراشي وأحمد موسى وغيرهم تأتي نتيجة لصحوة ضمير أو استفاقة متأخرة من جانبهم نتيجة لحجم التدمير والهدر لموارد بلدنا ومقدراتها على يد هذا السيسي ونظامه. معدومو الضمير لا يمكن أن تنتابهم صحوة ضمير!! فاقد الشيء لا يعطيه! ولا أريد التفتيش والتنقيب أو حتى التكهن بالأسباب الكامنة وراء تلك «النوبة الموسمية» من الانتقادات العلنية للنظام الانقلابي المصري، فقد شاهدناهم يعزفون ذات السيمفونية للضغط على النظام خلال الاستفتاء على دستور العسكر 2014 والانتخابات الرئاسية، بل والبرلمانية مؤخرا، ثم يتوقفون عنها للدفاع بشراسة عن النظام، ولا يدري المواطن المصري العادي لماذا بدؤوا فجأة وبدون مقدمات، ولماذا يتوقفون فجأة وبلا مقدمات أيضا!!
يبدو أنها رحلة «موسمية» يقوم بها البعض مثل «مصطفى سعيد» بطل رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للبحث عن النموذج في مربع «الخيال»، ولكن قد يرى البعض أنهم يواجهون مصير «الراوي» في رواية الطيب صالح.