alsharq

د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة

عدد المقالات 22

مريم ياسين الحمادي 25 يوليو 2026
عندما يصبح العمل اختيارياً
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 29 يوليو 2026
عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

التيارات الدينية بين الأيديولوجيا وإدراك الواقع

26 يوليو 2026 , 12:35ص

تكشف مواقف بعض الجماعات الدينية ذات الطابع السياسي، إزاء السلوك الإقليمي الإيراني، إشكالية مركّبة تتجاوز حدود التقدير السياسي الآني إلى مستوى أعمق يتصل بالبنية المعرفية وآليات تشكّل الوعي داخل هذه الحركات. فحالة الالتباس والتردد والارتباك التي وسمت خطابها تجاه العدوان الإيراني في الحرب الحالية، لا يمكن تفسيرها بوصفها مجرد حسابات تكتيكية أو استجابة لاعتبارات ظرفية عابرة، بل تعكس نمطًا بنيويًا متجذرًا في طريقة إدراك الواقع وملابساته.
ولعل أكثر ما كشف هذا الارتباك بوضوح تصريحات رئيس حركة حماس الجديد، التي أثارت جدلًا واسعًا بعد إشادته بالنظام الإيراني ووكلائه الإقليميين، بينما تواصل طهران ومليشياتها استهداف دول الخليج والأردن بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ويعكس هذا الموقف مفارقة لافتة؛ إذ يرفع خطاب المقاومة في مواجهة الاحتلال، لكنه يتجاهل أو يبرر مشروعًا إقليميًا لا يتردد في الاعتداء على الدول العربية وتهديد أمنها وسيادتها.

أزمة موقف أم أزمة منهج
للإنصاف، برز انقسام واضح بين التيارات الدينية حيث اتخذ البعض منها موقفًا أكثر وضوحًا وحزمًا في إدانة استهداف العواصم العربية ومنشآتها الحيوية والمطارات وقطاع الطاقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، انطلاقًا من إدراكها المباشر لخطورة التهديد على أمن الدول التي يعيش ويعمل فيها.
في مقابل، تيار آخر منتشر في العالم العربي، إضافة إلى شخصيات تقيم في أوروبا وعواصم غربية، اتجه نحو خطاب ملتبس اتسم بالتبرير ومحاولة إيجاد مسوغات للعدوان الإيراني، بل بدا في بعض الأحيان منحازًا إلى الطرف المعتدي أكثر من تضامنه مع الدول المستهدفة. وهو ما كشف عن حالة من الارتباك الفكري والأخلاقي، حيث تغلّبت الاعتبارات الأيديولوجية والتحالفات الرمزية على مبادئ واضحة تتعلق بسيادة الدول ورفض الاعتداء على أمنها واستقرارها.
يعيد هذا الموقف إلى الأذهان التداعيات العميقة التي خلّفها موقف جماعة الإخوان المسلمين من الغزو العراقي للكويت مطلع التسعينيات، وهي الأزمة التي شكّلت نقطة تحول مفصلية في علاقة الجماعة بدول الخليج، وكشفت مبكرًا عن التناقض بين الخطاب الأيديولوجي ومتطلبات الدولة الوطنية ومفهوم الأمن القومي العربي.
وهو ما دفع الجماعة في الكويت، عقب التداعيات السياسية والشعبية التي خلّفها موقف الإخوان المسلمين من الاحتلال الغاشم، إلى إعادة تموضعها ضمن إطار أكثر محلية وواقعية، عبر تأسيس «الحركة الدستورية الإسلامية» عام 1992، حيث حرصت على تقديم نفسها ككيان سياسي كويتي مستقل يشارك في الحياة الدستورية والبرلمانية ويتفاعل مع القضايا المحلية، في محاولة لاحتواء أزمة الثقة التي ولّدتها المرحلة السابقة، والتكيف مع حساسية الدولة الوطنية الخليجية تجاه التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود.

إشكالية دمج السياسي في الديني
من هذا المنظور، تبدو الأزمة اليوم أقرب إلى كونها معضلة إبستمولوجية منها مجرد خلل تنظيمي. فالإشكالية تتعلق بكيفية تعريف «السياسي» ذاته داخل هذه الحركات: هل هو مجال مستقل تحكمه اعتبارات المصلحة والقوة والتوازن، أم امتداد لمنظومة عقدية وأخلاقية مغلقة؟ تاريخيًا، مالت جماعات التيارات الدينية إلى الخيار الثاني، حيث جرى دمج السياسي في الديني، بما يجعل الموقف السياسي انعكاسًا مباشرًا لرؤية أيديولوجية كلية، لا نتيجة عملية تحليل واقعي متعدد المستويات.
هذا الدمج أفضى إلى ما يمكن تسميته «الوعي الأيديولوجي المغلق»، وهو نمط من التفكير يقوم على تفسير العالم من خلال ثنائيات حادة ومبسطة: إسلام مقابل جاهلية، مقاومة مقابل خضوع، مشروع إسلامي مقابل مشروع غربي. ورغم ما توفره هذه الثنائية من تعبئة للخطاب الجماهيري، فإنها في المقابل تقوّض إمكانية إنتاج وعي ومعرفة دقيقة، لأنها تستبدل تعقيد الواقع بتصنيفات معيارية جاهزة.
ضمن هذا الإطار، تصبح القدرة على قراءة الظواهر المركبة مثل السلوك الإيراني محدودة ومشروطة بالانحياز الفكري المسبق. فبدل تحليل إيران بوصفها دولة قومية ذات مشروع نفوذ إقليمي، تُعاد صياغتها في المخيال الحركي باعتبارها «قوة مقاومة»، وهو توصيف يتجاوز الوصف السياسي إلى مستوى القيمة الرمزية. وهنا يكمن جوهر الخلل: حين تتحول «المقاومة» من مفهوم سياسي قابل للتقييم إلى قيمة مطلقة، تصبح أداة لتعليق النقد، لا لتوجيهه.
هذا ما يفسر، جزئيًا، التردد في إدانة السلوك الإيراني في الخليج. فالمسألة لا تتعلق فقط بحسابات سياسية أو اصطفافات مرحلية، بل بصعوبة تفكيك الصورة الذهنية التي تربط إيران بمحور «الممانعة». وداخل هذه الصورة، يجري تقليل أو إعادة تفسير الأفعال التي تتعارض مع هذا التصنيف، حتى لو كانت تمس بشكل مباشر أمن دول عربية أو استقرارها.

إيران في المخيال الحركي
إن هذا النمط من الإدراك يطرح إشكالية منهجية حادة: هل يمكن اختزال شرعية الفاعل الإقليمي في موقفه من إسرائيل أو الولايات المتحدة؟ وإذا كان معيار «المقاومة» كافيًا لمنح الشرعية، فكيف يمكن تفسير السياسات الإيرانية في سياقات متعددة أظهرت نتائج تفكيكية على مستوى الدولة الوطنية؟
في سوريا، ارتبط الحضور الإيراني بدعم نظام سياسي في سياق حرب أهلية معقدة، أسهمت في إنتاج واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. وفي العراق، تداخل النفوذ الإيراني مع بنية الدولة، بما عزز منطق المحاصصة الطائفية وأضعف مركزية المؤسسات. أما في لبنان، فقد تجسد هذا النفوذ في نموذج «الفاعل المسلح خارج إطار الدولة»، بينما في اليمن اتخذ شكل دعم مباشر لجماعة مسلحة في نزاع ذي أبعاد إقليمية. هذه الوقائع، بمعزل عن توصيفاتها السياسية، تشير إلى نمط سلوك قائم على توسيع النفوذ عبر أدوات غير تقليدية، تتجاوز منطق الدولة الوطنية.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة تأطير السلوك الإيراني ضمن مفهوم «الدولة الساعية إلى تعظيم القوة والسيطرة وبسط النفوذ»، وهي مقاربة راسخة في نظريات العلاقات الدولية. وفق هذا المنظور، لا تتحرك الدول بدوافع نفعية خالصة، بل توظف الأيديولوجيا كأداة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع النفوذ وضمان الأمن وتعزيز المكانة الإقليمية. إيران، في هذا السياق، ليست استثناءً، بل نموذجًا لدولة تستخدم الخطاب الديني كوسيلة تعبئة وتبرير ضمن مشروع جيوسياسي واضح المعالم.

التناقض في المعايير
المفارقة أن الحركات الدينية، التي تبدي نقدًا حادًا للنماذج القومية العربية بوصفها سلطوية أو إقصائية، تتعامل بقدر من التساهل مع نموذج ذي طابع قومي فارسي مغطى بشرعية دينية. هذا التناقض يكشف عن خلل في معايير التقييم، حيث يتم تغليب الانتماء الرمزي إلى خطاب «المقاومة» على حساب تحليل النتائج الفعلية للسياسات.
يُضاف إلى ذلك بُعد آخر يتعلق بإشكالية «الانتماء العابر للدولة». فالجماعات الدينية التي تنشط في الحقل السياسي، بحكم نشأتها، تُعلي من مفهوم الأمة بوصفه إطارًا جامعًا يتجاوز الحدود الوطنية. ورغم ما يحمله هذا المفهوم من بعد ثقافي أو حضاري، فإنه حين يُترجم واقعيا بشكل غير نقدي، يؤدي إلى تهميش اعتبارات السيادة الوطنية والمصلحة القومية. وفي حالة التوتر مع إيران، يبدو أن هذا التصور أسهم في إضعاف حساسية بعض هذه الحركات تجاه التهديدات التي تواجهها دول عربية بعينها.
وتتجلى المفارقة بوضوح في العلاقة مع دول الخليج، التي شكلت لعقود حاضنة سياسية واجتماعية لكثير من كوادر هذه الجماعات. فبدل أن ينعكس هذا التاريخ في مواقف سياسية أكثر وضوحًا تجاه التهديدات التي تواجه هذه الدول، برز خطاب متردد يعكس ارتباكًا في ترتيب الأولويات بين الانتماء الأيديولوجي والاعتبارات السياسية الواقعية.
في المقابل، تكشف تجارب أخرى مثل التجربة التركية عن إمكانية إعادة تعريف العلاقة بين الأيديولوجيا والسياسة. فحزب العدالة والتنمية، رغم جذوره الإسلامية، أعاد صياغة خطابه وممارساته ضمن إطار الدولة القومية، حيث أصبحت المصلحة الوطنية المرجعية النهائية. لا يعني ذلك غياب الأيديولوجيا، بل إعادة توظيفها ضمن حدود يفرضها منطق الدولة ومقتضياتها.

غياب النقد والمراجعة 
هذا التباين يسلط الضوء على جوهر الأزمة: ليس في وجود الأيديولوجيا بحد ذاته، بل في غياب القدرة على إخضاعها للنقد والمراجعة في ضوء الواقع المتغير. فالحركات التي تظل أسيرة سردياتها المؤسسة تجد صعوبة في التكيف مع التحولات، بينما تلك التي تطور «عقلًا سياسيًا نقديًا» تكون أكثر قدرة على إعادة التموضع.
إن أزمة التيار الديني تجاه إيران ليست مجرد إخفاق في اتخاذ موقف واضح من نزاع إقليمي، بل هي تعبير عن خلل أعمق في منهج إنتاج المعرفة. ويتمثل هذا الخلل في ثلاثة مستويات مترابطة: أولها اختزال الواقع في ثنائيات أيديولوجية حادة؛ وثانيها منح بعض الشعارات، مثل «المقاومة»، قيمة فوق نقدية تعطل المساءلة؛ وثالثها ضعف التمييز بين المجال الدعوي الرمزي ومجال السياسة بوصفه حقلًا تحكمه المصالح والتوازنات والنتائج.
تقود هذه المستويات إلى نمط مزمن من التناقض بين الخطاب والممارسة. فحين ترفع الحركة شعارات العدالة والسيادة وكرامة الأمة، لكنها تتردد في نقد تدخلات تؤدي إلى إضعاف دول عربية وتفكيك مجتمعاتها، فإن الإشكال لا يعود أخلاقيًا فحسب، بل يصبح دليلًا على قصور في أدوات الفهم ذاتها. أي إن الأزمة لا تكمن فقط في «ماذا تقول» هذه الحركات، بل في «كيف تفكر» قبل أن تقول.
وعليه، فإن أي مراجعة جادة داخل الجماعات الدينية لا بد أن تبدأ من مرحلة المستوى المعرفي في إعادة فصل السياسة بوصفها مجالًا مستقلًا عن التعبئة العقدية، والاعتراف بأن الدولة الوطنية والسيادة والاستقرار ليست مفاهيم ثانوية أو «قُطرية» بالمعنى السلبي، بل شروط لازمة لأي مشروع إصلاح أو نهضة. ومن دون هذا التحول، ستظل هذه الحركات أسيرة سردياتها الكبرى، عاجزة عن إنتاج موقف متماسك من أزمات إقليمية ودولية معقدة، وسيبقى التناقض بين شعاراتها النظرية ومخرجاتها العملية سمة بنيوية لا استثناءً عابرًا.

عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

خلال أيام قليلة فقط، برزت ثلاثة مشاهد بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تشكل رواية واحدة عن طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وعن الأزمة الإنسانية والأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي. ثلاثة مشاهد تكشف الفارق...

من يضخّم الخلافات بين دول الخليج؟

لقد اعتادت بعض المنابر الإعلامية ذات الأجندات الواضحة على البحث عن أي تباين في مواقف دول الخليج، ثم تضخيمه وإخراجه من سياقه الطبيعي، وتحويله إلى سردية متكاملة عن خلافات عميقة، وشراكات وتحالفات تتفكك. وما إن...

بيروت... المدينة التي ترفض أن تموت

مع استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وتعثّر الهدنة، وانسداد أفق المفاوضات، يعود لبنان مجدداً إلى خط النار، وكأن عليه أن يواجه في كل مرة ثمن حروب المنطقة. فما إن تهتز التوازنات الإقليمية حتى يتحول هذا...

المونديال .. الوجه الآخر للعلاقات الدولية

ليست كرة القدم مجرد رياضة يتابعها مليارات البشر، ولا مجرد منافسة تنتهي بتتويج فريق وخسارة آخر. إنها في أحد وجوهها العميقة، مختبر إنساني هائل لاختبار أفكار السلطة والعدالة والهوية والذاكرة والتنافس. بطولة كأس العالم لا...

ليس وداعاً... سمو الأمير الوالد أيقونة قطر وباني نهضتها وصانع أحلامها

لا يغادر الدنيا القادة العظام يوم تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يوم تتوقف الأمم عن استحضار أفكارهم. أما أولئك الذين ينجحون في تغيير مسار التاريخ، وإعادة تعريف أوطانهم، فإنهم يغادرون الحياة بأجسادهم فقط، بينما تبقى...

الذكرى الـ250.. هل انتهت أمريكا التي عرفها العالم؟

تبدو الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الأمريكية ومراجعة نقدية لحصيلة قرنين ونصف من التجربة السياسية. فمنذ إعلان الاستقلال عام 1776، مرت الولايات المتحدة بمحطات صنعت مجدها وأزماتها معاً؛ من العبودية...

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورة

لم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة...

عندما يصبح أمن الخليج ورقة تفاوض إيرانية

ليست المعضلة في أن إيران تواجه الولايات المتحدة، ولا في أن لديها صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل، فهذه نزاعات تخضع لحسابات القوى الكبرى وتوازنات الردع، والسلوك الإيراني في المنطقة الذي يتجاوز أربعة عقود. الإشكالية الحقيقية عندما...

هل تتحول إيران إلى شرطي الخليج في هرمز؟

في الشرق الأوسط، لا تُوزَّع الجوائز الكبرى بعد الحروب على من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل على من يفرض شروطه على طاولة التفاوض. ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تخرج به إيران من أي تفاهم مع...

العصاب الجماعي العربي.. حينما يتحول العجز إلى ثقافة

ليست الإشكالية في أن يترك التاريخ ندوبًا في جسد الأمم؛ فكل الشعوب تحمل آثار انتصاراتها وهزائمها على حد سواء، وإنما تكمن المأساة حين تتحول تلك الندوب إلى جرح مفتوح لا يكفّ عن النزف، أو إلى...

من يشعل الحرب... ومن يدفع الفاتورة؟

على مدى العقود الأربعة الماضية، تكرّس انطباع متزايد لدى قطاعات واسعة من النخب السياسية والإعلامية بأن الولايات المتحدة وعدداً من الدول الأوروبية لا تنظر إلى دول الخليج باعتبارها شركاء استراتيجيين متكافئين في صنع القرار وتحمل...

الأساطير السياسية: صناعة الوهم في مواجهة الحقيقة

تثير بعض التعليقات التي يكتبها زملاء يشاركوننا الكتابة في صحف عربية قدرًا كبيرًا من الاستغراب والشفقة في آن واحد، عندما يتناولون قضايا بالغة التعقيد بسطحية وسذاجة، متسائلين: ما الذي يخيف العرب من إيران قوية في...