


عدد المقالات 80
الشاعر اليمني الكبير المظلوم، عبدالله البردوني، أصيب بمرض الجدري وفقد بصره وهو في الخامسة من عمره. كان دميماً أشعثَ الشَّعْر، لكنّ شِعره من أعظم الشِّعر وأرقاه، وأعجب من عزوف من يدعي تذوق الأدب عن شعره. كتب إليّ صديقي الكريم الأستاذ الأديب: محمد الغامدي، أبو فهد، الملحق الثقافي السعودي في قطر، يُذكّرني كأنه يوقظني من سباتي، ببيتين للبردوني تعدل ألف بيت، فيها تصويرٌ لحالة الاغتراب قبل أربعين سنة، في اليمن قبل الوحدة التي تمزقت اليوم: يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمن جنوبيون في (صنعا) شماليون في (عدن)!! هذا المختصرُ المفيد، لكن للبردوني أبياتا كتبت من ذهب، فهو أقدر الشعراء على الصور الشعرية البليغة، سأكتبها ولن أُعلق عليها، هي رسالةٌ منه إلى ظالمٍ أكَلَ خيراتهم، وتنعَّم، وأفقَرهم: لماذا لي الجوعُ والقصف لك؟ يناشدني الجوع أن أسألك وأغرس حقلي فتجنيه أنت وتسكر من عرقي منجلك لماذا وفي قبضتيك الكنوز تمدّ إلى لقمتي أنملك؟ لماذا تدوس حشاي الجريح وفيه الحنان الذي دلّلك غدا سوف تلعنك الذكريات ويلعن ماضيك مستقبلك ويستفسر الإثم: أين الأثيم؟ وكيف انتهى؟ أيّ درب سلك؟ غدا لن أصفّق لركب الظلام سأهتف: يا فجر، ما أجملك! تغلغل البردوني في عمق قضايا ظلمة اليمن في أيامه، فكان هذا التصوير من أبلغ الكلام: وأشرفُ أشرافها سارقٌ وأفضلهم قاتل مجرمُ! ففي كلّ ناحية ظالم غبيّ يسلّطه أظلم! ما أروعك يا عبدالله البردوني عندما خاطبت أبا تمام (حبيب بن أوس)، شاكياً عروبتنا الميتة اليوم، واصفاً صنعاء الجريحة أبلغ وصف، سأنتقي منها ما يعجبني: مَاذَا جَرَى يَا أَبَا تَمَّامَ تَسْأَلُنِي؟ عَفْوَاً سأَرْوِي وَلا تَسْأَلْ وَمَا السَّبَبُ؟! اليَوْمَ عَادَتْ عُلُوجُ «الرُّومِ» فَاتِحَةً وَمَوْطِنُ العَرَبِ المَسْلُوبُ وَالسَّلَبُ هُمْ يَفْرُشونَ لِجَيْشِ الغَزْوِ أَعْيُنَهُمْ وَيَدَّعُونَ وُثُوبَاً قَبْلَ أَنْ يَثِبُوا! الحَاكِمُونَ و«وَاشُنْطُنْ» حُكُومَتُهُمْ وَاللامِعُونَ وَمَا شَعَّوا وَلا غَرَبُوا كان البردوني في أصفى حالات الصدق عندما سأل أبا تمام: مَاذَا تَرَى يَا «أَبَا تَمَّامَ» هَلْ كَذَبَتْ أَحْسَابُنَا؟ أَوْ تَنَاسَى عِرْقَهُ الذَّهَبُ؟ عُرُوبَةُ اليَوَمِ أُخْرَى لا يَنِمُّ عَلَى وُجُودِهَا اسْمٌ وَلا لَوْنٌ وَلا لَقَبُ! أما صنعاء؛ جريحة الأمس واليوم فقد أخبر عنها بقوله: «حَبِيبُ» وَافَيْتُ مِنْ صَنْعَاءَ يَحْمِلُنِي نَسْرٌ وَخَلْفَ ضُلُوعِي يَلْهَثُ العَرَبُ مَاذَا أُحَدِّثُ عَنْ صَنْعَاءَ يَا أَبَتِي؟ مَلِيحَةٌ عَاشِقَاهَا: السِّلُّ وَالجَرَبُ! نعم والله .. إنَّ صنعاء مليحةٌ لكنها شقيت في زمانها كثيراً. هل سبق أن سمعتم من يقول: ضحكتُ حتى بكيتُ؟! هذا أنا عندما قرأتُ بيته: مَاذَا؟ أَتَعْجَبُ مِنْ شَيْبِي عَلَى صِغَرِي؟ إِنِّي وُلِدْتُ عَجُوزَاً كَيْفَ تَعْتَجِبُ؟ يا أبا فهد.. أبلغ سلامي صاحبَنا البردّوني، وقل له: نحن على خبرك.. إلا أننا ازددنا سوءاً!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...