


عدد المقالات 80
أُغالب فيكَ الشوقَ والشوقُ أغلبُ وأعجب من ذا الهجرِ والوصلُ أعجبُ ما قرأت هذا البيت يوما إلا وشعرت بأن قلب أبي الطيب في صدري! أسمع نبضه، وأتلمس حنينه. صراع مرير بينه وبين الشوق، لكن الشوق يغلبه رغم شجاعته وتجلده، ومن يستطيع أن يغلب الشوق؟! سهر وتأوه، وزفرات وحسرات، وذكريات تتوالي أحداثها، وشوق يحرق الفؤاد، وضعف رغم قوة القلب، وتعجب عجيب من هجرها، وما الداعي لهجرها؟ ألم تكن تحبه أم أنها تدعي فحسب؟ ولا عجب إذن فالهجر طبعهن، لكن الأعجب منه وصلها، فهو يخالف طبعها. الحنين هو الحنين، فلم يكد يستفيق من ذهوله عن نفسه وتفكره في شوقه إليها وتعجبه من هجرها أو وصلها إلا وداهمه الحنين إلى أهله، وأين أهله؟!: أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم وأين من المشتاق عنقاءُ مُغرِبُ؟! عنقاء مغرب؟! جعلتَ لقاءهم أسطورة من الأساطير يا أبا الطيب؟! ألست أنت أول من فلسف الحب، وجعلت الصمت بين المحب والمحبوب أقوى علامات الحب؟ وأن العاشق إذا أعلن شكواه وجد لذة لا تعدلها لذة؟: الحبُّ ما منع الكلامَ الألسُنا وألذُّ شكوى عاشقٍ ما أعلنا ولا ينغّص هذا إلا الهجر.. مرة أخرى هي تهجره بدون ذنب، ونومه يهجره، والمرض يزوره، فليتها تصله كما يصله المرض! إنه الحنين الذي يقلق الفؤاد: ليت الحبيبَ الهاجري هجرَ الكرى من غير جرم واصلي صِلةَ الضنى! يحن كلما لاح برق في سماء الحب يذكره بها، ويحن كلما سمع تغريد طائر على أغصانه، ويكاد يقع على الأرض من هول الحنين إليها: ما لاح برق أو ترنم طائر إلا انثنيت ولي فؤاد شيق شكا مثلك غيرك من لظى الحنين والشوق، وما أجمل شكواهم، ودعوا النوم وطعمه منذ أن ضرب الأحبة خيامهم في دماء محبيهم! وأقاموا في سويداء القلب وما تحولوا عنه: ما ذقت طعم الكرى مذ خيموا بدمي وفي سويدا الحشا ظلوا وما رحلوا وتعجب غيرك أيضا من عذل العذال وقد نزل أحبته وأقاموا في شغاف قلبه، تعجبوا مثلك يا أبا الطيب: أيعذلوني ومن أهوى محبتهم ضمن الشغاف بروح القلب قد نزلوا؟! أيعذلوني وقلبي كلما ذُكروا يهيم شوقا ودمع العين ينهمل؟! أيعذلوني ونيران الهوى سعرت بغير نار أرى الأحشاء تشتعل؟! ليت الذين يعذلون العشاق يجربون الحب مرة، إنهم لو أحبوا لما عذلوا: أيعذلوني وروحي في الهوى دنفت لو جرب الحب عذالي لما عذلوا لكنك أبلغ منهم يا أبا الطيب، إذ اختصرت المعاني كلها عن العذل: لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه ما أقسى الزمن! ماذا يفعل بالقلوب؟ ليت الزمان يذوق من البلوى ما أذاقه العشاق، إذن لبكى هذا الزمن طويلا وانتحب! وهل يبكي الزمن وينتحب؟!: أذاقني زمني بلوى شرقت بها لو ذاقها لبكى ما عاش وانتحبا قبل الوداع.. جمعت يا أبا الطيب بين الجنة والنار؟ ما أعظمك!: وخفوق قلب لو رأيت لهيبه يا جنتي لظننت فيه جهنما!! إلى اللقاء!
قال: كنتُ مهموماً، لحالي وحالِ الأمة، كُلَّما قُلنا بزغَ الفجرُ اشتدَّ الظلامُ، وثارت العواصفُ، ففتشتُ أوراقَك تجسّساً فلقيتُك تشكو مثلَ شكواي، فهلاَّ أرحْتَنا من أبي الطيب، وذكرتَ قصيدتَك التي ملأتها بالأنياب؟! قلت: أتعني.. ألفَ ناب...
عندما تفيض النفس عند امتلائها، فيقول أبو الطيب مثلاً: شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا صَديقَ بِهِا وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ فهل تراه قالها من فراغٍ؟ أم إنَّ روحه بلغت غاية الضيق، وفاضت نفسُه شاكية...
قلت لكم مرة إن أجمل الأبيات التي يتردد صداها على المنابر، وفي منتديات الشعراء والأدباء، تلك التي تصف حال الإنسان مع الناس! لإن هو ضحك أو بكى، أو ابتسم أو عبس، أو صمت، أو نطق،...
الفردوس المفقود، هكذا سمّاها العرب الذين فرّطوا في الأندلس حتى فقدوها، وضيعوا معها مثلها عبر تاريخهم، وواقعنا شاهدٌ على ضياعهم! ما زلنا نذكر أندلُسا نبكيها في صبحٍ ومَسا ليستْ أندلُسًا واحدة فلَكَم ضيّعنا أندلُسا! سرحتُ...
عشق العرب كل معاني الجمال، وبرعوا في وصف هذا الجمال، فلم يطاولهم في عشقهم ووصفهم أحدٌ. سقطوا قتلى تحت ظلال الأهداب، وهاموا بسحرها، فأذابتهم الأعينُ الواسعات الفاتنات، على أنهم فرسانٌ يذيبون الحديد بسيوفهم، لكنّ سيوف...
أسوأُ الناس من تحتاج إلى تبرير كل أفعالك وكلامك له، وأسوأ منه الذي يفسره كما يحلو له، ويبني عليه أوهامه، ويصنع بناء عليه قراراته، فيعاديك، أو يصافيك، أو يرفعك، أو يسقطك.. كما يحلو له! في...
قال أبو الطيب: لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلهم** الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ! ما من أحدٍ إلا وتتوق نفسُه للسيادة، لكن الوصول إليها شاقٌ، لا تصبر عليه إلا نفوسُ الكبار، وليس صغار النفوس! وليس على النفوس...
لماذا اتخذ الشعراء العشاق، أو عشاق الشعراء البكاء سلوة لهم؟! فلا تكاد تخلو قصيدة لشاعرٍ إلا وتجد بلل الدموع يغطي الكلمات! أظنهم يجدون راحة في البكاء، ويظنون أنهم بذلك يستعطفون المحبوب، الذي قسا قلبه حتى...
أبِنْتَ الدّهْرِ عِندي كُلُّ بِنْتٍ فكَيفَ وَصَلْتِ أنتِ منَ الزّحامِ؟! تسابق البناتُ؛ بناتُ الدهر على خِطبة ودِّ أبي الطيب، ولديه كل بنت، لكنها هي الوحيدة التي زاحمتْهُنَّ بمنكبها ووصلت إليه، فتعجب منها، ومن جرأتها عليه،...
شاعر الغزل الخجول، هكذا كان يُسمى الشاعر الليبي: حسن السنوسي (2007م)، ومن يقرأ شعره يجد فيه ما لا يجده في غيره من رقةٍ، وشهامة، وصدق عاطفة، ولا أدل على ذلك من قصيدته التي تقطر رقة...
سألني: لماذا اخترت عنوان عمودك في «العرب»: شقائق النعمان؟ وما معنى شقائق النعمان؟! قلت: هي زهرة جميلة أخّاذة هام بها الشعراء، فشبّهوا مباسمَ معشوقاتهم بجمالها، قبل اختراع «المكياج» وأصباغ الشفتين! وكنا نراها -أعني شقائق النعمان-...
عاتبني عزيز عليّ فقال: مقالاتك الأخيرة قد غلبت عليها الكآبة! قلت: صدقت، وهذا واحدٌ منها!. أعظم المصائب أن تُبتلى بثقيلٍ ينغِّص عليك حياتك، وكثيرٌ منهم يجهلُ أنه ثقيلُ دمٍ، تمرض القلوب إذا رأته، ويأتيها الموتُ...